وقد كان هناك مجال ظهر فيه فضل أبى سعيد، ذلك ما كان بينه وبين متى بن يونس من المناظرة المشهورة، وسبب شهرتها أنها كانت بين علمين: أحدهما نحوى، والآخر رئيس المناطقة في عصره: هو أبو بشر متى بن يونس [1] ، ثم كانت في مجلس وزير يهتم بمجالسة العلماء والمشاركة في فنونهم هو ابن الفرات [2] ، ثم كانت كذلك على ملأ من الناس الأعلام، وفيهم الخالدى وابن الأخشاد
وقدامة بن جعفر، والزهرى وعلى بن عيسى الجراح، وابن يحيى العلوى، وزاد من أهميتها وذيوع فضل صاحب الفلج فيها أن حضرها رسول ابن طغج من مصر، والمرزبانى صاحب آل سامان [3] .
وموضوع المناظرة التى وقعت بين السيرافى ومتى ما كان يقوله متى: «لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق، وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فاطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه [4] » .
وقد رغب ابن الفرات إلى مجالسيه في مناظرة متى، فتزامروا، وتغامزوا، واعتذر السيرافى من تغامزهم وتزامرهم، فقال الوزير: «أنت لها يا أبا سعيد! فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك، والانتصار لنفسك راجع إلى الجماعة بفضلك» .
وهكذا هاج ابن الفرات أبا سعيد، وأغراه بمحاجة أبى بشر، وبان منذ اللحظة الأولى تحيز ابن الفرات للسيرافى، وتعصبه له على متى بن يونس، وواجه السيرافى متى قائلا: «حدثنى عن المنطق ما تعنى به» . وعرف متى المنطق تعريفا مضمونه أنه «ما يعرف به صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه» ، وخطأه أبو سعيد زاعما أن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف، والإعراب المعروف عند المتكلمين بالعربية» [5] .
وقد اشتغل أبو سعيد ضعف «متى» في العربية، فأصلاه نارا حامية،
(1) الفهرست 368.
(2) الإمتاع 1/ 108.
(3) المصدر السابق.
(4) الإمتاع 1/ 108، وياقوت 8/ 190والمقابسات 68.
(5) الإمتاع 1/ 111.