فأبو سعيد يجول به في ميادين النحو جولات يضيق بها صدره. ويتعصب متى ليونان، وأنهم أصحاب عناية بالحكمة، وينكر أبو سعيد ما لهم من فضل، ويقرر أن العلم مبثوث في العالم، والصناعات مفضوضة على جميع من على جدد الأرض، ويسأله عن حرف واحد دائر في كلام العرب هو الواو، ومعانيه متميزة عند أهل العقل [1] ويدعوه أن يستخرج معانيه من ناحية منطق ارسطاطاليس الذى يدل به، ويباهى بتفخيمه: فيبهت متى، ويقرر أنه لا حاجة بالمنطق إليه، وبالنحوى حاجة شديدة إلى المنطق [2] ، لأن المنطق يبحث عن المعنى، والنحو يبحث عن اللفظ [3] ، ويندفع السيرافى مبرهنا على أن النحوى كالمنطقى ينظر في المعنى كما ينظر في اللفظ [4]
وضرب أبو سعيد مثلا بالكندى وتعلقه بالمنطق، وما جره عليه ذلك التعلق من شرور تشمت العدو، وتغم الصديق».
وهكذا يجتمع على «متى» ضعفه في النحو، وتعصب ابن الفرات عليه، ذلك التعصب البادى في كثير من عباراته، ورباطة جأش أبى سعيد، وتصرف لسانه، وفيض بنانه، وانثيال خواطره، وتلجلج مناظره، وتسجيل المجلس ذلك في الواحه ومحابره، فيتقوض الجمع وقد حاك السيرافى طرازا لا يبليه الزمان، ولا يتطرق إليه الحدثان.
وحق على أبى على الفارسى وقد حدث بما كان أن يكتم الحسد لنظيره أبى سعيد على ما فاز به من هذا الخبر المشهور، والثناء المذكور».
ذلكم موقف من المواقف التى رفعت ذكر أبى سعيد السيرافى، وإن كانت الفرصة لم تتح لأبى على الفارسى أن يحضر هذا المجلس، ولعله لو حضر لكان له فيه مجال، ولقال وهو الجدل وصال في ذلك الميدان، ولكنها الأقدار تؤاتى بعضا وتعرض عن بعض، ولله في خلقه شئون!
هذا وقد فضل أبو سعيد على أبى على بما اشتهر عنه من خلق كريم، فأبو سعيد زاهد متأله، متحرج [5] ، يأكل من كسب نفسه، جميل الطريقة حسن الأخلاق [6] ، يصوم الدهر، ويصلى في جماعة [7] ، وربما كان لتوليه منصب القضاء ببغداد،
(1) الإمتاع 1/ 112.
(2) الإمتاع 1/ 114.
(3) المقابسات 74.
(4) الإمتاع 1/ 118.
(5) الإمتاع 2/ 177.
(6) نزهة الألباء 206ووفيات الأعيان 360.
(7) الإمتاع 1/ 132.