مطلقا فذلك صحيح وإن لم يصدر عن الرمانى، لكنه أورد عبارته بعد شرح كلمة الفارسى في نحو على بن عيسى الرمانى، وهى تفهم أنه أراد الرمانى بالذات، فلعله أراد المناظرة التى بين يونس والسيرافى [1] ، وليس فيها للرمانى رأى أو اشتراك، وإن كان هو الذى رواها عن أبى سعيد [2] .
فهل كان الرمانى يستعمل المنطق في عبارته النحوية [3] ، وهل كان يمضى في هذه النزعة حتى لا يفهم الحاضرون من طلابه شيئا من كلامه [4] ؟ وهل بلغ الغاية في ذلك حتى سبق الفارسى وأبا سعيد السيرافى على تفاوت بين الأخيرين في هذه النزعة: توسطا عند أبى على تجعل الطلاب يفهمون بعض كلامه دون بعض، وقلة أو عدما عند أبى سعيد تجعل الطلاب يفهمون منه جميع الكلام؟
للإجابة عن هذه الأسئلة يجب أن نتصل اتصالا وثيقا بآثار كل من هؤلاء الأئمة في النحو، ونقرأها قراءة فاحصة، ثم نوازن بينها، لنصدر في أحكامنا عن تصور، ونهتدى في فهمنا بالدليل، والذى يعنينا من هذه الآثار ما كان منها متصلا بهذا البحث، والذى يكشف عن مفهوم عبارة الفارسى في الرمانى.
وأقرر هنا أن الفارسى لم يقل النص الذى ذكره الأنبارى، ليدل به على مذهب الرمانى في فلسفة النحو، فلم يكن الفارسى ليحفل بشيء من ذلك، فحديثه عنه من هذه الزاوية لا يعنيه في قليل ولا كثير، ولا سيما إذا علمنا أن الفارسى نفسه من أصحاب المنطق في النحو إلى حد كبير.
فماذا أراد الفارسى إذن بهذه العبارة؟ أقول: «إنه أخرج هذه العبارة مخرج الآية الكريمة: {وَإِنََّا أَوْ إِيََّاكُمْ لَعَلى ََ هُدىً أَوْ فِي ضَلََالٍ مُبِينٍ} [5] «وهو جل وعز يعلم أن رسوله المهتدى، وأن مخالفه الضال [6] .
وقول حسان:
أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء [7]
وقول الشاعر:
فأيى ما وأيك كان شرا ... فسيق إلى المقادة في هوان [8]
(1) مقابسات 68.
(2) الامتاع والمؤانسة 1/ 128.
(3) انباه الرواة 2/ 388.
(4) نزهة الألباء 211.
(5) سورة سبأ آية 24وانظر في تفسير هذه الآية تفسير أبي السعود 4/ 351.
(6) تأويل مشكل القرآن 208.
(7) ديوان حسان بن ثابت ص.
(8) النهر الماد من البحر لأبي حيان على هامش البحر المحيط 7/ 274والبحر المحيط 97/ 27.