ونحوه قول الرجل لصاحبه «علم الله الصادق منى ومنك» [1] . ونحو قول العرب: «أخزى الله الكاذب منى ومنك» ، يقول ذلك من يتيقن أن صاحبه هو الكاذب [2] . فكذبته من وجه هو أحسن من التصريح [3] .
وأرتب على ذلك أن الفارسى لا يعترف بالرمانى نحويا، وأنه يريد أن يقول موريا وملمحا وفى التلميح ما يغنى عن التصريح أن نحوه هو النحو، وليس عند الرمانى من النحو شىء
وأبو على الفارسى في هذا يلتقى مع البديهى حيث يقول:
«ما رأيت على سنى وتجوالى وحسن إنصافى لمن وضع يده في الأدب أحدا أعرى من الفضائل كلها، ولا أشد ادعاء لها كلها من صاحب الحدود [4] ، فإنى مع وزنى له، ونظرى إليه، واستكثارى منه في عنفوان شبيبتى لم أقطع على أمره حتى راجعت العلماء في أمره، فقال المتكلمون: «ليس فنه في الكلام فننا» ، وقال النحويون:
«ليس شأنه في النحو شأننا» وقال المنطقيون: «ليس ما يزعم أنه منطق منطقا عندنا» ، وقد خفى مع ذلك أمره على عامة من يرى [5] . وهذه العبارة في هذا المقام تدل على أن الرمانى لم يبلغ في النحو شأن المشتغلين بصناعته. وهذا ما أفهمه من عبارة الفارسى.
فما الذى دعا الفارسى إلى ذلك الموقف الذى وقفه من الرمانى؟ وأن يرى ذلك الرأى الذى رآه فيه؟
كان لا بد أن أرجع إلى بعض ما لكل منهما في النحو، فاتصلت بآثار لهما اتصالا هدانى إلى الفهم الذى قررت في عبارة الفارسى، وأعاننى على هذا الفهم أنى تعرفت النزعات المختلفة، والأهواء التى كانت تسيطر على العلماء في ذلك العصر، وتوجه قلوبهم حبا لفريق منهم، وبغضا للآخرين، فألقى ذلك كله ضوءا على العلاقات التى كانت تربط بين الفارسى وسواه من الأئمة في عصره، ومن هؤلاء «على بن عيسى الرمانى» .
فمن حيث الآثار التى تركها كل، فللرمانى مخطوط بمعهد إحياء المخطوطات العربية مصور من مكتبة البديرى بالقدس [6] فى (فيلم) رقمه 22 (اثنان وعشرون)
(1) تفسير الزمخشرى 3/ 259.
(2) تفسير البحر المحيط 7/ 279.
(3) تأويل مشكل القرآن 208.
(4) يقصد الرمانى.
(5) البصائر والذخائر.
(6) رقم المخطوطة فيها ضمن مجموعة الرسالة الثانية من 135.