بعد ذلك أن يصحح تفسير ما تداوله الناس، وتوارثه الباحثون من أن الفارسى أراد بهذه العبارة أن الرمانى كان يمزج نحوه بالمنطق، وظهور المنطق في نحو الرمانى على هذه الصورة الباهتة التى عرفت، والأمثلة النادرة التى عرضت، لا يجيز لنا فهم العبارة هذا الفهم الذى توارثه الناس. ومع التسليم جدلا أن الرمانى حشا نحوه بالمنطق، ودلل على القواعد النحوية بالقضايا المنطقية فان ذلك لا يدفع الفارسى إلى أن يقول قولته لأنه مشترك معه فيما يرميه به. بل إن الفارسى هو الذى كان ينهج نهج المناطقة في عرض المسائل النحوية، مدللا، وشارحا، ومعللا، ومناقشا، ومعترضا، ورادا على هذه الاعتراضات، وأنه كان يصطنع أساليب أهل المنطق، وينقل إلى نحوه ألفاظهم، فتراه يستعمل النوع، والجنس، والشيوع، والقياس، والحمل، والدلالة، والاختصاص [1] .
* * * إن الفارسى لكثرة ما مزج نحوه بالمنطق جاءت عبارته عسيرة الفهم، معقدة الأسلوب، ضاربة في الغرابة، تكد الذهن، وتصدع الرأس، على حين كانت عبارة الرمانى في كتابه الحروف يسيرة سمحة يمضى بها رخاء حيث أصاب، وإذ كان العصر عصر فلسفة وامتزاج للثقافات المختلفة: عربية وفارسية وهندية ويونانية، فان أسلوب أبى على كان هو الأسلوب الذى أرضى خاصة الناس، واتفق هو وما يهوون، وارتفعوا بأبى على من أجل ذلك وغيره إلى درجة أعلى من المبرد، وحتى قال أبو طالب العبدى: «ما كان بين سيبويه وأبى على أفضل منه» [2] .
* * * ورأينا في ذلك الفصل كيف أن الفارسى مستوعب متقص، يذكر الشواهد من التنزيل والشعر وسائر الكلام في تلاحق وانصباب، وقد اتخذ من هذه الشواهد مادة استقرأها، وتعرف الخصائص المشتركة بينها ثم أصدر الحكم المقعد لما انتهى إليه من النظر في هذه النصوص.
وإنك تقرأ ما كتب الفارسى في الحروف سواء أكان في الشيرازيات أم البغداديات أم الحجة فتجد عمقا ودقة ونظرا واستقصاء، وقد خلا من كل ذلك كلام الرمانى على الرغم من أنه قصد قصدا إلى الحروف حتى سمى (كتابه) بهذا
(1) انظر الفصل الخاص بذلك أبو على الفارسى والمنطق وانظر البغداديات ورقة 25.
(2) نزهة الألباء 209.