يريد بمنتزح، وعليه قول عنترة أنشدناه أيضا سنة إحدى وأربعين بالموصل:
ينباع من ذفرى غضوب جسرة [1]
اعتبرت ما يقوله ابن خلكان بما يقوله ابن جنى في الخصائص، والمحتسب، فوقر في نفسى أول الأمر أن أبا على لم يفد على حلب في سنة إحدى وأربعين، ثم صدقت كلا من ابن جنى، وما ذكره ابن خلكان، عند ما نظرت في المصور الجغرافى موضع الموصل وحلب، فوجدت أن أقرب طريق للذاهب من الموصل إلى حلب هو الذى بينها وبين الموصل. وأن المسافة بينهما تنفرج جنوبى الموصل وشمالها فلعل أبا على وابن جنى سلك أقرب طريق من الموصل إلى ابن حمدان في عاصمة إمارته.
وغير خافية هذه الأسباب التى دعت أبا على الفارسى، وتلميذه ابن جنى إلى الذهاب لسيف الدولة، غير أنى أشير إليها في كلمة سريعة موجزة:
(فأولا) قد بلغ الأمير سيف الدولة حينئذ الأوج في عظمته، وإذا استشهدت بالتاريخ على ذلك وجدت أن المتنبى فيما يقول العكبرى قال قصيدته التى أولها:
ذى المعالى فليعلون من تعالى ... هكذا هكذا، وإلا فلا لا
يذكر نهوض سيف الدولة إلى الثغر، وذلك في جمادى الأولى سنة 346، وفى سنة 241بنى سيف الدولة مرعشا، وامتدحه عند ذلك أبو الطيب بقصيدة قال في مطلعها:
فديناك من ربع، وإن زدتنا كربا ... فإنك كنت الشرق للشمس والغربا [2]
(وثانيا) قد تحدثت الركبان، ونطق الزمان بما كان من إغداق سيف الدولة على قاصديه [3] . وقد كان سيف الدولة لا ينتقر في العطاء،
(1) الخصائص 1/ 76والتكملة: زيّافة مثل الفنيق المكدم أراد ينبع والذفرى ما خلف الإذن، والجسرة الناقة الموثقة الخلق، والزيف المتبختر، والفعل زاف يزيف. والفنيق الفحل من الإبل يقول: ينبع هذا العرق من خلف اذن ناقة غضوب موثقة الخلق شديدة التبختر من سيرها مثل فحل من الإبل قد كدمته الفحول، شبهها بالفحل في تبخترها ووثاقة خلقها وضخامتها. شرح المعلقات السبع للزوزني 146، 147.
(2) اعلام النبلاء للطباع الحلبى 1/ 258.
(3) أعلام النبلاء 1/ 277وما بعدها.