فكان يجود حتى على أولئك الذين لا يجدون من القول ما يحسنون [1] .
(وثالثا) كان سيف الدولة شيعيا [2] ، وكان في أبى على شيعيّة رأينا بواعثها من قبل، وسأتحدث عنها في القريب إن شاء الله.
من أجل هذا تهيأت الظروف لأبى على أن يرحل إلى جوار الحمدانى، وبقى إلى جواره فترة كانت محفوفة بالدسائس والمكايد، فقد التقيا فيها بخصم عنيد، حبيب إلى قلب سيف الدولة، وذلك أبو عبد الله بن خالويه، وربما خشى ابن خالويه أن تضيع مكانته عند مولاه، وكان سيف الدولة مشغوفا بالمسائل اللغوية، يعرضها مستفسرا أو مختبرا. سأل سيف الدولة عن اسم ممدود جمع مقصورا، وكان بين الحاضرين أبو على، وأحمد بن نصر، وابن خالويه. فقال أحمد بن نصر: «أنا أعرف حرف حلفاء وحلافى فقلنا: «حلفاء جمع حلفة، وإنما سألت عن واحد» ، فقال الفارسى: «أنا أعرف حرفا، أشياء وأشاوى» فقلنا: أشياء جمع. قال ابن خالويه:
«أنا أعرف أسماء ممدودة تجمع بالقصر» ، قال: ما هى: قلت: «لا أقولها إلا بألف دينار» ثم ذكرت ذلك [3] .
وقد ظهرت هذه المحاورات أيضا فيما حكاه الرواة من أن ابن خالويه اجتمع هو وأبو على الفارسى، فقال ابن خالويه لأبى على: نتكلم في كتاب سيبويه، فقال له أبو على: بل نتكلم في الفصيح!. ويحكى أنه قال لأبى على: كم للسيف اسما؟ قال:
اسم واحد! فقال له ابن خالويه: بل له أسماء كثيرة، وأخذ يعددها نحو الحسام، والمخذم. والقضيب، والمقضب. فقال له أبو على: «هذه كلها صفات» [4] .
وتنعقد الصلة قوية بين المتنبى وابن جنى، وكلاهما منافس قوى لابن خالويه، ثم يكون ما يكون من انتصار سيف الدولة لابن خالويه، ومفارقته مغاضبا
وكان من الطبيعى ألّا يطيب المقام لأبى على الفارسى في هذا الجو الخانق، وإذ كان سيف الدولة أعرض عن المتنبى وانتصر لابن خالويه، والمتنبى هو من
(1) انظر اعلام النبلاء 1/ 285.
(2) أعلام النبلاء 1/ 279.
(3) المزهر بتصرف 2/ 226، 227.
(4) نزهة الألباء 208ويعرض ابن مسكويه في كتاب الشوامل والهوامل لهذه المسألة موفقا بين الرأيين انظر ص 5.