هذا هو الزجاجى في كتاب الإيضاح، وذلك مبلغ تيهه به، وهذا أثر ثقافته
المنطقية فيه. فهل تراه بعد ذلك بلغ مبلغ الفارسى في التعليل والتدليل والقياس؟
وهل إذا سمع كلام أبى على في النحو استحيا أن يتكلم فيه؟
الحق أن الزجاجى يختلف منهجه عن منهج الفارسى في تناول مسائل المنطق:
الفارسى يمزجها مزجا بالنحو، فهو إذ يقايس أو يعلل أو يبرهن، أو يذكر القضايا يجعل ذلك وغيره من مسائل المنطق في ثنايا نحوه وتضاعيفه، يورده ويتحدث عنه، حتى يصير المنطق مع نحوه وحدة لا تتجزأ، وكيانا متضامنا لا ينفصل [1] .
أما الزجاجى فسبيله غير سبيل الفارسى في ذلك: المنطق يرد بمسائله في جنب مسائل النحو، ولكنه لا يخالطه، ولا يمتزج به، حتى إنك لتستطيع فصل المسائل المنطقية التى وردت في كتاب علل النحو عن المسائل النحوية، وتقول: هذا منطق الزجاجى، وهذا نحوه ومن هنا كان منطقه منقولا عن غيره.
حقيقة ظهرت الفلسفة والمنطق ممتزجين في خطبته التى صدر بها الكتاب، وقد عرضت إلى شىء من ذلك، ودللت عليه، ولكنه حين تناول المسائل النحوية لم يستطع أن يمزج ما يعلم من المنطق بما يقول في النحو.
وأرجع بك مرة أخرى إلى الحديث الذى أداره حول حد الاسم مثلا: تراه أقحم الكلام عن الحدود، وأنها لا يجوز أن تختلف اختلاف تضاد وتنافر، وأورد تعاريف الفلاسفة للفلسفة، وقد أحس هو أنه نقل هذا نقلا من الفلاسفة، واعتذر من ذلك حيث يقول: «وإنما ذكرنا هذه الألفاظ في تحديد الفلسفة [2]
الخ وكذلك شأنه حين يتفلسف في بقية كتبه التى رأيت، فقد قرأت له في كتابه المسمى «بأخبار الزجاجى قوله: وليس بين العلماء فيما ذكرناه في النفى خلاف [3]
وكفى المخالف هذا بخروجه مما تشهد الجماعة بصحته دليلا على خطئه، وانقطاعه
ثم قال: وقد رتب العلماء للانقطاع مؤلفات وبينوا لها وجوها، وأخذ يعدد هذه الوجوه يذكر أضرب الانقطاع ويشرح كل ضرب فالضرب الأول كذا، والضرب الثانى ألا تضطرد العلة في المعلول والضرب الثالث هو أن يؤول الأمر بمن يناظره إلى أن يعتقد المحال والضرب الأخير من الانقطاع أن يرد على الخصم ما لا يعرف وجهه فيقر بالحق [4] .
(1) انظر في هذا الفصل بين الرماني والفارسى.
(2) راجع النص في مكانه من هذا الفصل.
(3) يريد نفى الزمان والمكان الموجودة فيه الأسماء لأن النفى يتصل بذاتها.
(4) أخبار الزجاجى ورقة 51.