وفى تلك السنة كان أبو على الفارسى أيضا في شيراز [1] ، وكان إلى هذا الوقت لم تنعقد الصلة بينه وبين المتنبى، فقد كان كما يقول الرواة، يستثقل المتنبى على قبح زيه، وما يأخذ به نفسه من الكبرياء [2] ، فالقول بأن المتنبى جرت بينه وبين أبى على مجالس في حلب لا دليل عندى عليه، ولكن ابن جنى كان ذا هوى لأبى الطيب، وقد أخذ يحتال على ابى على في شيراز لا في حلب حتى ربط بين الرجلين [3] ، ولكن متى رجل أبو على إلى شيراز؟؟ وحتى متى ظل أبو على فيها؟
يبدو بصيص من النور يهدى إلى الإجابة عن هذا السؤال الأخير، فيما يرويه على بن عيسى الربعى إذ يقول: «كنت يوما عند المتنبى بشيراز [4] ، فقيل له أبو على الفارسى بالباب، وكانت تأكدت بينهما المودة، قال: «بادروا إليه، فأنزلوه» فدخل أبو على وأنا جالس عنده فقال: «يا أبا الحسن: خذ هذا الجزء، وأعطانى جزءا من كتاب التذكرة، وقال: أكتب عن الشيخ البيتين اللذين ذكرتك بهما وهما:
سأطلب حقى بالقنا ومشايخ ... كأنهم من طول ما التأموا مرد
ثقال إذا لاقوا، خفاف إذا دعوا ... كثير إذا شدوا، قليل إذا عدوا
وللربعى هنا أهمية عظيمة في الاهتداء إلى المدة التى مكثها أبو على بشيراز ذلك لأن الربعى الشيرازى الأصل بدأ بقراءة مختصر الجرمى على السيرافى في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة [5] ، ثم انتقل من بغداد إلى شيراز فقرأ على أبى على الفارسى عشرين سنة، ثم رجع إلى بغداد، وقد ولد الربعىّ سنة 328وتوفى سنة (420) ببغداد [6] .
وأول شىء نستنتجه من ذلك: أن أبا على أقام بشيراز السنين العشرين، توطدت فيها علاقته بعضد الدولة، ويؤلف له الإيضاح ثم التكملة، ويسايره في ميدان شيراز، ويباحثه في النحو وعلله، حتى صار غلامه فيه، وكان فيما يقول
(1) انظر التدليل الآتي على هذه القضية.
(2) الصبح المنبئ 209.
(3) (انظر الصبح المنبئ على هامش العكبرى 1/ 210)
(4) الصبح المنبئ 1/ 212.
(5) حقائق التأويل 8887.
(6) حاشية الشيخ الأمير على المغنى 1/ 98.