وكان لا بد أن أتعرف على الإمام الذى تأثره أبو على في قراءته القرآن الكريم، والأسباب التى دفعته إلى تأثر ذلك الإمام دون سواه، فانتهيت إلى أنه كان يقرأ بما يقرأ أبو عمرو البصرى، وأوردت دلائل هذا التأثر بما ترك أبو على من شواهد ونصوص في كتبه، وبخاصة كتاباه الحجة والأغفال.
وتناولت مذهب أبى على الفقهى، فدللت على أنه كان يتعبد على مذهب أبى حنيفة، وخلصت من ذلك إلى الحديث عن مذهبه النحوى، فأشرت إلى اضطراب المعاصرين في ذلك، وحققت مذهبه أولا بما تشير إليه النصوص، وثانيا بما تدل عليه المقابلة بين السمات العامة للمذهب البصرى والكوفى، وما ورد في كتب أبى على وثالثا بما انتهت إليه الموازنة بين رأى كل من الفريقين في المسائل النحوية المختلفة، ورأى أبى على في هذه المسائل، وفصلت كل واحدة من هذه الثلاث تفصيلا، وانتهيت إلى أن أبا على في زمنه كان إماما ينزع إلى البصرية الأولى في استقلال بآرائه النحوية، وشيخا لمدرسة قائمة بذاتها لها تلاميذ وأنصار.
وبينت أن أبا على نظر إلى الشعر على أنه مادة للصناعة النحوية، لا على أنه وسيلة من وسائل التذوق الأدبى، وتحدثت عن خصائص نثره، وكشفت عن غلبة النزعة المنطقية فيه.
ومضيت بالبحث إلى شيوخ أبى على فتحدثت عن أولئك الذين أخذ منهم، وتلقى عنهم، وعن أولئك الذين لم يعاصرهم ولكنه نظر إليهم، واعتمد عليهم.
وعينت ببيان مدى ما تأثر صاحبى بشيوخه المعاصرين شيخا شيخا، فأبرزت الجوانب التى ظهرت عند أبى على مقتفيا فيها آثار كل منهم، وأيدت ذلك بالشواهد والنصوص، وهنا أتيحت فرصة نبهت فيها إلى ما أخطأ العاملى في أعيان الشيعة خاصا بمن اكتنى بأبى بكر من هؤلاء الشيوخ.
ولحظت أن معظم هؤلاء الشيوخ قد اختارهم الله إلى جواره في الربع الأول من القرن الرابع، ورتبت على ذلك أن أبا على قد خلا له جو الزعامة العلمية نصف قرن من الزمان، تصدر فيه للإمامة التى نزع إليها في حياة شيخه أبى بكر بن الخياط، وتأكدت له في تعرضه لشيخه: الزجاج، وابن السراج.