ورأيت الحلبيات تلقى ضوءا على النشاط العلمى بين سيف الدولة والعلماء
فى عصره، وهو أمر لم يتنبه إليه الباحثون ممن أفردوا سيف الدولة بجهد علمى خاص، كما أنها تنفرد بالحديث عن الكلمات الأعجمية، يترجمها أبو على، ويزنها، ويتحدث عن اشتقاقها وتصريفها، كما أنها تتعرض إلى رسم الحروف، ورأيت أن الدعوة التى نادى بها الدكتور طه خاصة بالرسم الإملائي ليست جديدة فهى مستندة في أساسها إلى رأى لأبى على في الحلبيات حيث قال بوجوب كتابة سعى، ورمى، ويسعى، وأشباهها بالألف لا بالياء. وقد أقام الشيخ على ما يراه البرهان والدليل.
وفى تناولى كتاب الإيضاح ذكرت الرأى في هذه الروايات المتدافعة حول موقف عضد الدولة من ذلك الكتاب، ورأيت أبا على يصدر في ترتيب الإيضاح عن فكرة أثر العوامل في أصول الإعراب، وتخالف في ذلك مع سيبويه الذى صدر في ترتيب الكتاب كما انتهى إليه أستاذى النجدى عن العوامل نفسها، كما تخالف مع المبرد الذى رأيته في المقتضب لا يصدر عن فكرة بعينها، ومع الزجاجى المعاصر الذى اضطر في ترتيبه الجمل. وتتبعت كتب الخالفين في النحو، فتبينت أنهم قفّوا أبا على في الترتيب.
ورأيت أن الإيضاح اسم يدل على مسماه بما التزم فيه أبو على من جعله في أبواب قصار، واضحة العبارة، وتقريبه بالتنظير، وتحذيره النطق بتعبيرات، وإلقائه قواعد جامعة تضم شتات التفصيلات. وعللت لمسح المنطق البادى في باب الاستثناء، وأخريات الإيضاح خاصة، ثم تحدثت عن شواهد الإيضاح وأمثلته، ورأيت أن أبا على استشهد ببيت لأبى تمام للتطبيق على قاعدة، لا لاستنتاج حكم منه، وأيدت ذلك بنص لعبد القاهر في المقتصد، ولأبى على في العسكريات، ورجوت أن يصلح الناس ما فهموه من استشهاد أبى على بذلك البيت منذ ابن خلكان حتى الباحثين من علماء هذا الزمان.
ونبهت إلى أن أبا على كان مجددا في كتابه الإيضاح، فاصطنع أمثلة تتصل بالحياة العامة في عصره: دينية، وسياسية، واجتماعية، وطبيعية على النحو الذى يتواصى به المربون في الأيام.
وعنيت ببيان قيمة الإيضاح وأثره، ووضحت ذيوعه في الأقطار الإسلامية، ونصصت على أولئك الذين اشتركوا في إذاعته من تلاميذ الشيخ، والشراح الذين
تناولوه بالتفسير من الأندلسيين، والمغاربة، والمصريين، والعراقيين، وحتى متى ظل الناس يشتغلون به، وانتهيت إلى أنهم انصرفوا عن دراسة الإيضاح حيث بدأت عنايتهم بكتب ابن مالك، وقدمت على ذلك الدليل.