ثم تحدثت عن اشتغال أبى على بالتصريف، والموازين التى يضعها لوزن الكلمات، وأشرت إلى تأثر ابن جنى بأبى على في سر الصناعة، ومختصر التصريف.
* * * ثم تهيأت بعد هذه الدراسات للتعرف على مكانة أبى على بين أعلام النحاة من معاصريه. فعقدت في الباب السادس موازنات بينه وبين النحاة من طبقته:
السيرافى، والرمانى، والزجاجى.
فأولا: مع السيرافى بينت أنه مذكور بين العلماء بشرحه الكتاب. ومشاركته الواسعة في كل فن وفلجه في الخصومة والمناظرة على متى بن يونس. ولكن لأبى على فضلا باقيا بكتابه الحجة. ذى الأثر البعيد في الدراسات العربية والإسلامية جميعا.
وثانيا: مع الرمانى حققت قولة أبى على الفارسى: «لو كان النحو ما يقوله الرمانى لم يكن معنا منه شىء. ولو كان النحو ما نقوله لم يكن معه منه شىء» . ونفيت تفسير هذه القولة بأن الرمانى كان يمزج نحوه بالمنطق. وذهبت في فهمها إلى غير ما ذهب الناس من القدامى والمحدثين. وبينت أن أبا على بهذه العبارة لا يعترف بالرمانى نحويا. وأنه يريد أن يقول له مورّيا: «إن نحوه هو النحو. وليس عند الرمانى منه شىء» . واعتبرت هذه العبارة بسنة القرآن الكريم في التعبير.
وعرضت للتدليل على ما ذهبت إليه كتاب الحروف للرمانى من مصورات معهد المخطوطات بالجامعة العربية. ودللت على أنه جانب المنطق في شكله، وموضوعه:
فى ترتيبه وتقسيمه وتعليله. ووازنت بين الرجلين في حرفين «ما. ولا» وأوضحت منهج كل في الحديث عنهما. تمسكا بالمنطق عند الفارسى. وبعدا عنه عند الرمانى.
ورجوت أن يصحح الباحثون النظر إلى هذه العبارة بما يتفق مع الحقيقة والتاريخ.
وثالثا مع الزجاجى رأيت أبا على يستصغر شأنه حتى قال فيما يرويه الأنبارى أبو البركات: «لو سمع أبو القاسم الزجاجى كلامنا في النحو لاستحيا أن يتكلم فيه» . ولم أشأ أن أسلم بهذه العبارة حتى أتصل اتصالا وثيقا بنحو الزجاجى فأتبين وجه الصواب:
قرأت كتب الزجاجى: اللامات، والإيضاح في علل النحو، والجمل، فرأيت شخصية الزجاجى في اللامات لا تكاد، تظهر أو تبين. فلا ترى لها ظلا أو اجتهادا في الرأى والتدليل ورأيت أن الفارسى لم يرض عن نحو الزجاجى لخلوه من المنطق
فى كتابه الجمل. وورود المنطق جنبا إلى جنب في كتابى اللامات والإيضاح على حين أن نحو الفارسى ومنطقه مزيجان لا يكادان ينفصلان.