قرأت كتب الزجاجى: اللامات، والإيضاح في علل النحو، والجمل، فرأيت شخصية الزجاجى في اللامات لا تكاد، تظهر أو تبين. فلا ترى لها ظلا أو اجتهادا في الرأى والتدليل ورأيت أن الفارسى لم يرض عن نحو الزجاجى لخلوه من المنطق
فى كتابه الجمل. وورود المنطق جنبا إلى جنب في كتابى اللامات والإيضاح على حين أن نحو الفارسى ومنطقه مزيجان لا يكادان ينفصلان.
ثم أنصفت الزجاجى من الفارسى. وعرفت بمكانة الجمل في تاريخ النشاط النحوى. وبينت أن نحو الزجاجى فيه قريب من الاتجاه الحديث في خلوه من المنطق وقضاياه. ومن أجل ذلكم خالفت الفارسى بعد أن تبدل الرأى غير الرأى والميزان
* * * وبعد أن بينت مكان أبى على من أعلام النحاة المعاصرين على هذا النحو انتقلت إلى الحديث في الباب السابع عن مدى تأثر الخالفين بنحو أبى على في الأصول والفروع. ومسائل الخلاف. والإعراب ممثلا على الترتيب بابن جنى في خصائصه.
وابن الشجرى في أماليه، وابن الأنبارى في الإنصاف. وأبى البقاء العكبرى في إعراب القرآن.
ففي الخصائص رأيت ابن جنى شديد الاعتداد بأبى على، يتلقى منه، ويتبادلان البحث، ويخوضان معا فيه ويصطنع أساليب الشيخ في التدليل والبرهان. وينصب مثله في إيراد الشواهد، ويؤثر الاستطراد. وعرضت أصولا ذكرها أبو على في كتبه المختلفة وبينت كيف بنى ابن جنى عليها. ورأيت ابن جنى يذهب مذهب شيخه في الاحتجاج بالحديث أولا في المعنى اللغوى. وثانيا في تقرير الأصول وثالثا في شرح مذاهب العرب في كلامها.
وفى أمالى ابن الشجرى بينت مظاهر التأثر بأبى على في نقوله عنه، واعتذاره له، وقوله بما يراه، وسلوكه مسلكه في التعليل والتفسير. ورأيت المدى الذى يجرى فيه ابن الشجرى متهديا بالشيخ أحيانا حتى تندمج فيه ذاتيته. ومجانبا له حينا فتظهر عند ذلك شخصيته.
كما دلتنى المقابلات بين نصوص أبى على ونصوص الإنصاف إلى أن ابن الأنبارى يدلل بفحوى كلام الفارسى حينا، وأحيانا ينقل نصوصه نقلا. ويورد شواهده إيرادا، وضربت الأمثلة لهذه الاتجاهات.
كذلكم كان الشأن في بيان تأثر أبى البقاء العكبرى بخاصة والمفسرين بعامة بأبى على في الإعراب.