فهرس الكتاب

الصفحة 1106 من 1871

كان التحريم لعلة فلما زالت زال ولو عادت لعاد وبهذا قال ابن حزم الظاهري واستدل بما في الصحيحين عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال صليت مع علي بن أبي طالب فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث فلا تأكلوا ثم قال ابن حزم هذا كان عام حضرة عثمان وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة وأصابهم جهد فأمر بذلك بمثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهد الناس ودفت الدافة انتهى وللشافعي رحمه الله نص حكاه البيهقي تردد فيه بين هذا القول والذي قبله قال بعد ذكر حديث عائشة وجابر يجب على من علم الأمرين معا أن يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه لمعنى فإذا كان مثله فهو منهي عنه وإذا لم يكن مثله لم يكن منهيا عنه أو يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت ثم أرخص فيه بعده والآخر من أمره ناسخ للأول وقال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي رحمه الله الصحيح أن النهي كان مخصوصا بحالة الضيق والصحيح أيضا أنه إذا حدث ذلك في زماننا أن يعود المنع على خلاف ما رجحه الرافعي فقد نص الشافعي على ذلك كله فقال في الرسالة في آخر باب العلل في الحديث ما نصه فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث وإن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة قال الشافعي ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا في كل حال انتهى وقال أبو العباس القرطبي حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة ولما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبه لا لأنه منسوخ فتعين الأخذ به ويعود الحكم لعود العلة فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم أن لا يدخروها فوق ثلاث

القول الثالث كالذي قبله في أن هذا ليس نسخا ولكن التحريم لعلة فلما زالت زال ولكن لا يعود الحكم لو عادت وهذا وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي والنووي وهو بعيد

القول الرابع أن النهي الأول لم يكن للتحريم وإنما كان للكراهة وهذا ذكره أبو علي الطبري صاحب الإفصاح على سبيل الاحتمال كما حكاه الرافعي ونص عليه الشافعي كما حكاه البيهقي فقال وقال الشافعي رحمه الله في موضع آخر يشبه أنه يكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث إذا كانت الدافة على معنى الاختيار لا على معنى الفرض لقوله تعالى في البدن فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا وهذه الآية في البدن التي يتطوع بها أصحابها قال النووي في شرح مسلم قال هؤلاء والكراهة باقية إلى اليوم ولكن لا يحرم قالوا ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر انتهى وإلى هذا ذهب المهلب فقال إنه الذي يصح عندي انتهى ويدل لهذا قوله في حديث عائشة وليست بعزيمة ولكن أراد أنه يطعم منه وقد تقدم في الفائدة الأولى وقال ابن حزم لا حجة فيه لأن قوله ليست بعزيمة ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو ظن بعض رواة الخبر ويبين ذلك قوله بعده ولكن أراد أن يطعم منه والله أعلم

وأيضا فإن أبا بكر بن أبي أويس مذكور عنه في روايته أمر عظيم

القول الخامس أن هذا النهي للتحريم وأن حكمه مستمر لم ينسخ وحمل على هذا ما تقدم عن علي رضي الله عنه وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما وحمله على أنهما رأيا عود الحكم لعود علته كما تقدم في القول الثاني أولى وبتقدير أن لا يؤول على هذا فسببه عدم بلوغ الناسخ فإنه لا يسع أحدا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ ومن علم حجة على من لم يعلم الرابعة ظاهر قوله لا يأكل من لحم أضحيته فوق ثلاث أن ابتداءها من وقت التضحية بها وهذا هو الذي ينبغي الجزم به وكذا قال ابن حزم الظاهري بتقدير عود الحكم لعود علته كما هو مذهبه ومذهب غيره وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبحها ويحتمل من يوم النحر وإن تأخر ذبحها إلى أيام التشريق قال وهذا أظهر وحكاه النووي عنه وأقره وحكى أبو العباس القرطبي ذلك خلافا محققا ورجح الأول فقال وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع فإنه قال فيه من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء ثم قال ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولا ثالثا وهو أن في حديث أبي عبيد فوق ثلاث ليال وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحى فيه من العدد وتعتبر ليلته وما بعدها وكذلك حديث ابن عمر فإن فيه فوق ثلاث تعني الليالي وكذلك حديث سلمة فإن فيه بعد ثالثة وأما حديث أبي سعيد ففيه ثلاثة أيام وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي انتهى

قلت وكذا هو في رواية لمسلم وغيره من حديث ابن عمر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت