كان التحريم لعلة فلما زالت زال ولو عادت لعاد وبهذا قال ابن حزم الظاهري واستدل بما في الصحيحين عن أبي عبيد مولى ابن أزهر قال صليت مع علي بن أبي طالب فصلى لنا قبل الخطبة ثم خطب الناس فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث فلا تأكلوا ثم قال ابن حزم هذا كان عام حضرة عثمان وكان أهل البوادي قد ألجأتهم الفتنة إلى المدينة وأصابهم جهد فأمر بذلك بمثل ما أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جهد الناس ودفت الدافة انتهى وللشافعي رحمه الله نص حكاه البيهقي تردد فيه بين هذا القول والذي قبله قال بعد ذكر حديث عائشة وجابر يجب على من علم الأمرين معا أن يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه لمعنى فإذا كان مثله فهو منهي عنه وإذا لم يكن مثله لم يكن منهيا عنه أو يقول نهى النبي صلى الله عليه وسلم في وقت ثم أرخص فيه بعده والآخر من أمره ناسخ للأول وقال شيخنا الإمام جمال الدين عبد الرحيم الإسنوي رحمه الله الصحيح أن النهي كان مخصوصا بحالة الضيق والصحيح أيضا أنه إذا حدث ذلك في زماننا أن يعود المنع على خلاف ما رجحه الرافعي فقد نص الشافعي على ذلك كله فقال في الرسالة في آخر باب العلل في الحديث ما نصه فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث وإن لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة قال الشافعي ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا في كل حال انتهى وقال أبو العباس القرطبي حديث سلمة وعائشة نص على أن المنع كان لعلة ولما ارتفعت ارتفع لارتفاع موجبه لا لأنه منسوخ فتعين الأخذ به ويعود الحكم لعود العلة فلو قدم على أهل بلدة ناس محتاجون في زمان الأضحى ولم يكن عند أهل ذلك البلد سعة يسدون بها فاقتهم إلا الضحايا لتعين عليهم أن لا يدخروها فوق ثلاث
القول الثالث كالذي قبله في أن هذا ليس نسخا ولكن التحريم لعلة فلما زالت زال ولكن لا يعود الحكم لو عادت وهذا وجه لبعض الشافعية حكاه الرافعي والنووي وهو بعيد
القول الرابع أن النهي الأول لم يكن للتحريم وإنما كان للكراهة وهذا ذكره أبو علي الطبري صاحب الإفصاح على سبيل الاحتمال كما حكاه الرافعي ونص عليه الشافعي كما حكاه البيهقي فقال وقال الشافعي رحمه الله في موضع آخر يشبه أنه يكون نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث إذا كانت الدافة على معنى الاختيار لا على معنى الفرض لقوله تعالى في البدن فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا وهذه الآية في البدن التي يتطوع بها أصحابها قال النووي في شرح مسلم قال هؤلاء والكراهة باقية إلى اليوم ولكن لا يحرم قالوا ولو وقع مثل تلك العلة اليوم فدفت دافة واساهم الناس وحملوا على هذا مذهب علي وابن عمر انتهى وإلى هذا ذهب المهلب فقال إنه الذي يصح عندي انتهى ويدل لهذا قوله في حديث عائشة وليست بعزيمة ولكن أراد أنه يطعم منه وقد تقدم في الفائدة الأولى وقال ابن حزم لا حجة فيه لأن قوله ليست بعزيمة ليس من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هو ظن بعض رواة الخبر ويبين ذلك قوله بعده ولكن أراد أن يطعم منه والله أعلم
وأيضا فإن أبا بكر بن أبي أويس مذكور عنه في روايته أمر عظيم
القول الخامس أن هذا النهي للتحريم وأن حكمه مستمر لم ينسخ وحمل على هذا ما تقدم عن علي رضي الله عنه وما رواه ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله عنهما وحمله على أنهما رأيا عود الحكم لعود علته كما تقدم في القول الثاني أولى وبتقدير أن لا يؤول على هذا فسببه عدم بلوغ الناسخ فإنه لا يسع أحدا العمل بالمنسوخ بعد ورود الناسخ ومن علم حجة على من لم يعلم الرابعة ظاهر قوله لا يأكل من لحم أضحيته فوق ثلاث أن ابتداءها من وقت التضحية بها وهذا هو الذي ينبغي الجزم به وكذا قال ابن حزم الظاهري بتقدير عود الحكم لعود علته كما هو مذهبه ومذهب غيره وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون ابتداء الثلاث من يوم ذبحها ويحتمل من يوم النحر وإن تأخر ذبحها إلى أيام التشريق قال وهذا أظهر وحكاه النووي عنه وأقره وحكى أبو العباس القرطبي ذلك خلافا محققا ورجح الأول فقال وهذا الظاهر من حديث سلمة بن الأكوع فإنه قال فيه من ضحى منكم فلا يصبحن في بيته بعد ثالثة شيء ثم قال ويظهر من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولا ثالثا وهو أن في حديث أبي عبيد فوق ثلاث ليال وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضحى فيه من العدد وتعتبر ليلته وما بعدها وكذلك حديث ابن عمر فإن فيه فوق ثلاث تعني الليالي وكذلك حديث سلمة فإن فيه بعد ثالثة وأما حديث أبي سعيد ففيه ثلاثة أيام وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي انتهى
قلت وكذا هو في رواية لمسلم وغيره من حديث ابن عمر