الثانية المزابنة بضم الميم وفتح الزاي وبعد الألف باء موحدة مفتوحة ثم نون مشتقة من الزبن وهو المخاصمة والمدافعة وقد فسرها في الحديث بأنها بيع الثمر بالتمر كيلا وبيع الكرم بالزبيب كيلا والثمر المذكور أولا بفتح الثاء المثلثة والميم والثاني بفتح التاء المثناة من فوق وإسكان الميم فالأول اسم له وهو رطب على رءوس النخل والثاني اسم له بعد الجداد واليبس وكذا في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين
والمزابنة اشتراء الثمر بالتمر على رءوس النخل وكذا في حديث جابر فإن كان هذا التفسير مرفوعا فلا إشكال في وجوب الأخذ به وإن كان موقوفا على هؤلاء الصحابة فهم رواة الحديث وأعرف بتفسيره من غيرهم قال ابن عبد البر ولا مخالف لهم علمته بل قد أجمع العلماء على أن ذلك مزابنة ولذلك أجمعوا على أن كل ما لا يجوز إلا مثلا بمثل أنه لا يجوز منه كيل بجزاف ولا جزاف بجزاف لأن في ذلك جهل المساواة ولا يؤمن مع ذلك التفاضل
قلت وحقيقتها الجامعة لأفرادها بيع الرطب من الربوي باليابس منه وفسرها مالك رحمه الله بأعم من ذلك وهو بيع مجهول بمعلوم من صنف ذلك سواء كان مما يجوز فيه التفاضل أصلا وجعله من باب المخاطرة والقمار وأدخله في معنى المزابنة فقال في الموطإ وتفسير المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا وزنه ولا عدده أن يباع بشيء مثمر من الكيل أو الوزن أو العدد وذلك أن يقول الرجل للرجل يكون له الطعام المصبر الذي لا يعلم كيله من الحنطة والتمر وما أشبه ذلك من الأطعمة أو يكون للرجل السلعة من الحنطة أو النوى أو القصب أو العصفر أو الكرفس أو الكتان أو الغزل أو ما أشبه ذلك من السلع لا يعلم كيل شيء من ذلك ولا وزنه ولا عدده فيقول الرجل لرب تلك السلعة كل سلعتك أو مر من يكيلها أو زن من ذلك ما يوزن أو اعدد من ذلك ما يعد فما نقص من كذا وكذا صاعا فعلي غرمه وما زاد على ذلك فهو لي أضمن ما نقص من ذلك الكيل أو الوزن أو العدد على أن يكون لي ما زاد فليس ذلك ولكنه الغرر والمخاطرة والقمار ومن ذلك أيضا أن يقول الرجل للرجل له الثوب أضمن لك من ثوبك هذا كذا وكذا طهارة قلنسوة قدر كل طهارة كذا وكذا فما نقص من ذلك فعلي غرمه وما زاد على ذلك فهو لي ثم ذكر أمثلة أخرى ثم قال فهذا كله وما أشبهه من الأشياء من المزابنة التي لا تجوز
انتهى
مع إسقاط بعضه اختصارا
وفسر الشافعي رحمه الله المزابنة بأنه بيع ما حرم فيه التفاضل جزافا بجزاف أو معلوما بجزاف أو مع التساوي ولكن أحدهما رطب ينقص إذا جف
قال وأما إذا قال أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا فما زاد فلي وما نقص فعلي تمامها فهذا من القمار وليس من المزابنة
قال ابن عبد البر وما قدمنا عن أبي سعيد الخدري وابن عمر وجابر في تفسير المزابنة يشهد لما قاله الشافعي وهو الذي تدل عليه الآثار المرفوعة في ذلك قال ويشهد لقول مالك والله أعلم أصل معنى المزابنة في اللغة لأنه لفظ مأخوذ من الزبن وهو المقامرة والدفع