النسخ والنسخ لا يصار إليه إلا عند الضرورة
انتهى
ثالثها أن المراد بالمتبايعين المتساومان والمراد بالخيار خيار القبول فإن المشتري بعد إيجاب البائع إن شاء قبل وإن شاء لم يقبل والبائع له الرجوع عن الإيجاب ما لم يقبل المشتري وهذا التأويل محكي عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن وعيسى بن أبان وحكاه ابن خويز منداد عن مالك ورد بأن تسمية المتساومين متبايعين مجاز والحمل على الحقيقة أولى بل الحمل على هذا المجاز متعذر فإنه جعل غاية الخيار التفرق ولو كان المراد خيار المتساومين لم ينقطع بالتفرق فإن حمل التفرق على الأقوال فهذا جواب آخر سنحكيه ونرده وقد اعترض على هذا الرد بأن تسميتهما متبايعين بعد الفراغ مجاز أيضا
وجوابه أنه أقرب إلى الحقيقة بل هو حقيقة عند بعضهم بخلافه باعتبار ما كان فإنه مجاز بالاتفاق
رابعها أن المراد بالمتبايعين المتساومين بتقرير غير المتقدم وهو أن الذي يراد منه البيع إن شاء باع وإن شاء لم يبع والذي يريد الشراء قد يشتري وقد لا يشتري وهذا أضعف من الذي قبله فإن هذا معنى ركيك يصان كلام الشارع من الحمل عليه ولو صدر من أحد الناس الأخيار بأن المتساومين إن شاءا عقدا البيع وإن شاءا لم يعقداه عد ذلك سخفا وحماقة فكيف يحمل الحديث على ذلك
خامسها أن المراد التفرق بالأقوال كما في قوله تعالى وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته أي عن النكاح وأجيب عنه بأنه خلاف الظاهر فإن السابق إلى الفهم التفرق عن المكان وقد ورد التصريح بذلك فيما رواه البيهقي في سننه من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا أيما رجل ابتاع من رجل بيعة فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما الحديث ويدل له فعل راويه ابن عمر رضي الله عنهما فإنه كان إذا اشترى شيئا يعجبه فارق صاحبه وفي رواية كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله قام فمشى هنية ثم رجع إليه وقد تقدم ذكر الروايتين وهما في الصحيحين وهما صريحتان في أن المراد التفرق عن المكان وروى الشافعي عن ابن عيينة عن عبد الله بن طاوس عن أبيه قال خير رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا بعد البيع فقال الرجل عمرك الله ممن أنت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم امرؤ من قريش وكان أبي يحلف ما الخيار إلا بعد البيع ورواه ابن ماجه والبيهقي من حديث جابر متصلا وقال بعضهم في الرد على الافتراق خبرونا عن الكلام الذي وقع به الاجتماع وتم به البيع أهو الكلام الذي أريد به الافتراق أم غيره فإن قالوا هو غيره فقد جاءوا بما لا يعقل لأنه ليس ثم كلام غيره وإن قالوا هو ذلك الكلام بعينه قيل لهم كيف يجوز أن يكون الكلام الذي به اجتمعا وتم به بيعهما به افترقا وبه انفسخ بيعهما هذا ما لا يعقل