فهرس الكتاب

الصفحة 1524 من 1871

الدم معنى الماء فيقاس عليه ولا يشتغل الفقهاء بمثل هذا وليس من شأن أهل العلم اللغز به وإشكاله وإنما شأنهم إيضاحه وبيانه وبهذا أخذ الميثاق عليهم ليبيننه للناس ولا يكتمونه انتهى ثم اختلف من ذهب إلى هذه الطريقة في كيفية الاستدلال من هذا الحديث فحكى ابن عبد البر عن طائفة أن فيه دليلا على أن الماء إذا تغيرت رائحته بنجاسة دون لونه أن الحكم لرائحته فيكون نجسا ولو تغير لونه ورائحته لم يتنجس لأن دم الشهيد لما اختلف لونه ورائحته كان الحكم لرائحته وعكس القاضي عياض هذا الاستدلال فقال يحتج به على أن المراعى في الماء تغير لونه دون رائحته لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى هذا الخارج من جرح الشهيد دما وإن كان ريحه ريح المسك ولم يسمه مسكا فغلب الاسم للونه على رائحته فكذلك الماء ما لم يتغير لونه لم يلتفت إلى تغير رائحته قال وهذا قولنا فيما تغيرت رائحته بالمجاورة فأما بما خالطه فعبد الملك يقول لا يعتد بالرائحة وإنما الاعتبار باللون والطعم ومالك وجمهور أصحابه يعتبرون الرائحة كاعتبار اللون والطعم انتهى

وما ذكره القاضي أظهر ثم إن فرض ابن عبد البر المسألة في التغير بالنجاسة غير مستقيم لأن الإجماع منعقد على أن تغير أحد الأوصاف بالنجاسة كاف في تنجيسه وقد نقل هو بعد ذلك هذا الإجماع وإنما الخلاف في التغير بالظاهر فقال جمهور أصحابنا هو كالتغير بالنجاسة يكفي فيه أحد الأوصاف الثلاثة وفي قول يشترط اجتماعهما وفي قول يكفي اللون وحده

وأما الطعم والرائحة فلا بد من اجتماعهما فكان ينبغي لابن عبد البر أن يفرض ذلك في التغير بالطاهر الذي هو موضع الخلاف ثم ذكر القاضي عياض أن إيراد البخاري رحمه الله هذا الحديث في هذا الباب يحتمل أن يكون للرخصة في الرائحة كما تقدم ويحتمل أن يكون للتغليظ بعكس الاستدلال بأن الدم لما انتقل بطيب رائحته من حكم النجاسة إلى الطهارة ومن القذارة إلى الطيب بتغير رائحته وحكم له بحكم المسك فكذلك الماء ينتقل على العكس بخبث الرائحة أو تغير أحد أوصافه من الطهارة إلى النجاسة انتهى

وجزم ابن بطال بالاحتمال الثاني واستنبط هذا الحكم من هذا الحديث ثم قال فإن قال قائل لما حكم للدم بالطهارة بتغير ريحه إلى الطيب وبقي فيه اللون والطعم ولم يذكر تغيرهما إلى الطيب وجب أن يكون الماء إذا تغير منه وصفان بالنجاسة وبقي وصف واحد أن يكون طاهرا يجوز الوضوء به قيل ليس كما توهمت لأن ريح المسك حكم للدم بالطهارة فكان اللون والطعم تبعا للظاهر وهو الريح الذي انقلب ريح مسك فكذلك الماء إذا تغير منه وصف واحد بنجاسة حلت فيه كان الوصفان الباقيان تبعا للنجاسة وكان الماء بذلك خارجا عن حد الطهارة لخروجه عن صفة الماء الذي جعله الله طهورا انتهى

الثالثة عشرة قال القاضي عياض ويحتج به أيضا أبو حنيفة في جواز استعمال الماء المضاف المتغيرة أوصافه إلى الطيب وحجته بذلك تضعف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت