الثانية فيه النهي عن السفر بالقرآن والمراد به المصحف إلى أرض العدو وهذا محتمل للتحريم والكراهة وفي لفظ مسلم لا تسافروا بالقرآن وظاهر هذا اللفظ التحريم ولفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله كره أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو وظاهره التنزيه فقط وقد بوب عليه البخاري باب كراهية السفر بالمصاحف إلى أرض العدو وكذلك يروى عن محمد بن بشر عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وتابعه ابن إسحاق عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في أرض العدو وهم يعلمون القرآن انتهى
وفي بعض نسخه باب السفر بدون ذكر الكراهة وقد اعتمد في الكراهة على لفظ رواية محمد بن بشر عن عبيد الله بن عمر وقد عرفت من كلام البرقاني أن المشهور لفظ النهي على أن لفظ الكراهة يحتمل التحريم أيضا وقال ابن عبد البر أجمع الفقهاء أن لا يسافر بالقرآن إلى
أرض العدو في السرايا والعسكر الصغير المخوف عليه واختلفوا في جواز ذلك في العسكر الكبير المأمون عليه فلم يفرق مالك بين الصغير والكبير وقال أبو حنيفة لا بأس في السفر بالعسكر العظيم وقال النووي في شرح مسلم إن أمنت العلة بأن يدخل في جيش المسلمين الظاهر عليهم فلا كراهة ولا منع حينئذ لعدم العلة هذا هو الصحيح وبه قال أبو حنيفة والبخاري وآخرون وقال مالك وجماعة من أصحابنا بالنهي مطلقا وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة الجواز مطلقا والصحيح عنه ما سبق انتهى وقول البخاري رحمه الله قد سافر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إلى أرض العدو وهم يعلمون القرآن إن قصد به معارضة النهي عن ذلك فلا تعارض بينهما لأن النهي عن ذلك في المصحف لئلا يتمكنوا منه فينتهكوا حرمته وليس آدميا يمكنه الدفع عن نفسه بخلاف ما في صدور المؤمنين من القرآن فإنهم عند العجز عن المدافعة عن أنفسهم لا يعد المهين لهم مهينا للمصحف لأن الذي في صدورهم أمر معنوي والذي في المصحف مشاهد محسوس والله أعلم
الثالثة يستنبط منه منع بيع المصحف من الكافر لوجود المعنى فيه وهو تمكنه من الاستهانة به ولا خلاف في تحريم ذلك ولكن هل يصح لو وقع اختلف أصحابنا فيه على طريقين أحدهما القطع ببطلانه والثاني إجراء الخلاف الذي في بيع العبد المسلم للكافر فيه والفرق بينهما على عظم حرمة المصحف وأنه لا يمكنه دفع الذل عن نفسه بالاستعانة بخلاف العبد
الرابعة في صحيح مسلم عن أيوب السختياني أنه قال بعد رواية الحديث فقد ناله العدو خاصموكم به يعني به أنكم لما خالفتم ما قال لكم نبيكم فمكنتم عدوكم من المصحف