الثانية فيه النهي عن الانتباذ في الدباء والمزفت وضم إليهما في الروايات الأخر الحنتم والنقير ومعناه أن يجعل في الماء تمرا وزبيبا ونحوهما ليحلو ويشرب وإنما خصت هذه بالنهي عنها لأنه يسرع إلى الإسكار فيها فيصير حراما نجسا وتبطل ماليته فنهي عنه لما فيه من إتلاف المال ولأنه ربما شربه بعد إسكاره من لم يطلع عليه ولم ينه عن الانتباذ في أسقية الأدم بل أذن فيها لأنها لرقتها لا يخفى فيها المسكر بل إذا صار مسكرا شقها غالبا ثم ذهبت طائفة إلى أن هذا النهي مستمر بحاله قال الخطابي قال بعضهم الحظر باق وكرهوا الانتباذ في هذه الأوعية ذهب إليه مالك وأحمد وإسحاق وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم قلت ورواه أبو بكر البزار في مسنده عن أبي برزة الأسلمي وفي النقل عن مالك وأحمد نظر وقد ذكر المجد بن تيمية في المحرر أنه لا يكره الانتباذ فيها ثم ذكر الكراهة عن أحمد وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن هذا النهي إنما كان في أول الإسلام ثم نسخ
ويدل لذلك حديث بريدة وهو في صحيح مسلم والسنن الأربعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال كنت نهيتكم عن الانتباذ إلا في الأسقية فاشربوا في كل وعاء ولا تشربوا مسكرا وهذا نص صريح لا يجوز العدول عنه وقد روي ذلك من حديث جماعة من الصحابة أيضا وهو مذهبنا وقال الخطابي إنه أصح
الأقاويل قالوا والمعنى في ذلك أنه كان العهد في أول الإسلام قريبا بإباحة المسكر فلما طال الزمان واشتهر تحريم المسكرات وتقرر ذلك في نفوسهم نسخ ذلك وأبيح لهم الانتباذ في كل وعاء بشرط أن لا يشربوا مسكرا وكأن الأولين لم تبلغهم الرخصة ويحتمل أن النهي قبل النسخ لم يكن للتحريم وإنما كان للأدب والتنزيه ولفظ هذا الحديث الذي نشرحه ليس صريحا في التحريم فإن لفظ النهي محتمل للتنزيه والكراهة والذي هو حقيقة في التحريم عند عدم الصارف قوله لا تفعل ويدل لذلك ما رواه الترمذي والنسائي عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الظروف فشكت إليه الأنصار فقالوا ليس لنا وعاء فقال فلا إذا
وفي مسند أحمد ومعجم الطبراني عن أبي هريرة قال لما قفى وفد عبد القيس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل امرئ حسيب نفسه لينبذ كل قوم فيما بدا لهم وفي رواية لأحمد في قصة وفد عبد القيس فقام إليه رجل من القوم فقال يا رسول الله إن الناس لا ظروف لهم قال فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه يرثى للناس فقال اشربوه إذا طاب