ومفهوم اللقب ضعيف عند أرباب الأصول وقالوا لم يقل به إلا الدقاق ومنها أن الحديث الذي خصت به التربة بالطهورية لو سلم أن مفهومه معمول به لكان الحديث الآخر بمنطوقه يدل على طهورية بقية أجزاء الأرض أعني قوله عليه السلام مسجدا وطهورا وإذا تعارض في غير التراب دلالة المفهوم الذي يقتضي عدم طهوريته ودلالة المنطوق الذي يقتضي طهوريته فالمنطوق مقدم على المفهوم انتهى
والجواب عن اعتراض القرطبي الأول من جعله ذلك ذكرا لبعض أفراد العموم وأنه لم يخرج شيئا
فهذا هو عين المسألة المتنازع فيها وقوله لم يخرج شيئا دعوى وإنما هذا كقوله تعالى ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة فهلا جعل هذه الآية ذكرا لبعض أفراد الآية التي أطلق فيها ذكر الرقبة بل اشترط في الكفارة إيمان الرقبة حملا لإحدى الآيتين على الأخرى
وأما تمثيله بذكر الخاص بعد العام فهو ذهول منه وإنما صورة هذا أن يذكر معا العام قبل الخاص وليس كذلك هذا الحديث بل أطلق في أحد الحديثين الأرض وقيد في الآخر ذلك بتربة الأرض وبتراب الأرض
وأما جعله ذلك مما خرج مخرج الغالب فهو أيضا خلاف الأصل خصوصا ما إذا ذكر ذلك في معرض إظهار التشريف والتخصيص بذلك فلو خصص بأمر زائد على تراب الأرض لما اقتصر عليه في حديث حذيفة
وأما قوله إن تراب كل شيء بحسبه كتراب الزرنيخ فليس في حديث حذيفة إلا ذكر التراب المطلق لأن التراب مقيد كالماء المطهر سواء فهلا قال يصح التطهر بماء الورد وماء الباقلا لأنه ماء بل اقتصر على الماء المطلق فكذلك الحكم في التيمم يجب تخصيصه بالتراب المطلق وهو تراب الأرض المذكور في الحديث
وأما ما ذكره ابن دقيق العيد من أنه اعترض بكون التربة ليست مرادفة للتراب فهو ممنوع فقد ذكر الهروي في العرنيين وابن الأثير في النهاية وغيرهما أن التراب والتربة واحد وأيضا ففي حديث حذيفة عند البيهقي وجعل ترابها لنا طهورا وهي من رواية أبي مالك الأشجعي عن ربعي عن حذيفة كما هو عند مسلم وذكر أبو عمرو بن الصلاح في علوم الحديث أن هذه الزيادة تفرد بها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي وسائر الروايات لفظها وجعلت لنا الأرض مسجدا وطهورا قلت ولم ينفرد بها أبو مالك مطلقا وإنما تفرد بها في حديث حذيفة
وقد رواها غيره من حديث علي من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل عن محمد بن الحنفية عن علي بن أبي طالب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء فقلت ما هو يا رسول الله فذكر الحديث وفيه وجعل لي التراب طهورا رواه أحمد في مسنده والبيهقي أيضا في سننه وإسناده حسن فتبين أن المراد التراب وأنه مرادف للتربة
وأما قول من اعترض بأنه مفهوم لقب فإن القرينة والسياق في حديث حذيفة يدلان على أن حكم التيمم بها مخالف للصلاة عليها فإنه فرق بين اللفظين فقال وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا فلو اشترك