قال أصحابنا الأذان في الجديد حق الوقت وفي القديم حق الفريضة وفي الإملاء حق الجماعة ويمكن الجمع بين الروايتين إما بحمل قوله في الرواية الأولى أذن على معنى أراد الأذان كما فسرته الرواية الثانية وإما بحمل الأذان في الرواية الثانية على الإقامة فقوله فأراد أن يؤذن أي يقيم ويدل لذلك قوله في رواية الترمذي فأراد أن يقيم فقال أبرد وقال بعد قوله حتى رأينا فيء التلول ثم أقام فصلى
وكذا حكى ابن الرفعة في المطلب عن بعضهم أنه حمل تأخير الأذان هنا على الإقامة لكن في رواية أبي عوانة في صحيحه بعد قوله حتى رأينا فيء التلول ثم أمره فأذن وأقام وهي دالة على أنه لم يكن أذن أولا أو لم يعتد بأذانه والله أعلم
الثانية عشر استدل البخاري بقوله في روايته كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر على مشروعية الأذان للمسافر وهو مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور والجمهور وهو رواية أشهب عن مالك وقال في رواية ابن القاسم لا أذان على مسافر إنما الأذان على من يجتمع إليه لتأذينه وروي عن طائفة من التابعين أنه يقيم المسافر ولا يؤذن منهم مكحول والحسن البصري والقاسم بن محمد وروي عن علي وعروة والثوري والنخعي إن شاء أذن وإن شاء أقام وفي الموطإ عن ابن عمر أنه كان لا يزيد على الإقامة في السفر إلا في الصبح فإنه كان يؤذن لها ويقيم
وقال عطاء إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة وقال مجاهد إذا نسي الإقامة في السفر أعاد قال ابن بطال والحجة لهما قوله عليه الصلاة والسلام للرجلين أذنا وأقيما قالا وأمره على الوجوب والعلماء على خلاف قول عطاء ومجاهد لأن الإيجاب يحتاج إلى دليل لا منازع فيه وجمهور العلماء على أنه غير واجب في الحضر فالسفر الذي قصرت فيه الصلاة عن هيئتها أولى بذلك انتهى
الثالثة عشر قوله حتى رأينا فيء التلول يدل على زيادة التأخير بالإبراد إذ التلول لا يظهر ظلها إلا بعد تمكن الفيء وطوله بخلاف الأشياء المنبسطة فإن ظهور ظلها سريع وقد ذكر أصحابنا الشافعية أن الإبراد بالظهر يكون بقدر ما يبقى للحيطان ظل يمشي فيه الساعي للجماعة قالوا ولا ينبغي أن يؤخر عن النصف الأول من الوقت قال الشافعي رحمه الله في الأم ولا يبلغ بتأخيرها آخر وقتها فيصليهما جميعا معا ولكن بقدر ما يعلم أنه يصليها متمهلا فينصرف منها قبل آخر وقتها ليكون بين انصرافه منها وبين آخر وقتها فصل
وكذا قال الحنابلة وقدر المالكية التأخير بزيادة على ربع القامة إلى نصف الوقت واختلفوا هل ينتهي بالإبراد إلى آخر الوقت أم لا فمنعه أشهب وأجازه ابن عبد الحكم ويدل له قوله في رواية البخاري حتى ساوى الظل التلول وذكر أبو بكر بن العربي أن هذا الحديث حجة لأشهب لأنه عليه الصلاة