فعلهم ذلك من عصيانهم ومخالفتهم اختلف في ذلك فقال القاضي عياض فيه أن ستر العورة لم يكن واجبا في شرع موسى إذ ذكر أنه إنما فعل ذلك يعني الاغتسال وحده حياء وأنه لم ينكر على قومه ما كانوا يفعلونه وأن الله تعالى أظهر ذلك منه لقومه حتى نظروا إليه
وقال أبو العباس القرطبي إنما كان بنو إسرائيل تفعل هذا معاندة للشرع ومخالفة لموسى وهو من جملة عتوهم وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى ألا ترى أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يستتر عند الغسل فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه ثم لم تكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأدرة فأظهر الله براءته مما قالوا فيه بطريق خارق للعادة زيادة في أدلة صدق موسى ومبالغة في قيام الحجة عليهم انتهى
وسبقه إلى ذلك ابن بطال فقال وأما اغتسال بني إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى بعض فيدل أنهم كانوا عصاة له في ذلك غير مقتدين بسنته إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد ويطلب الخلوة فكان الواجب عليهم الاقتداء به في ذلك ولو كان اغتسالهم عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزمنا فعله لأن في شريعتنا الأمر بستر العورة عن أعين الآدميين وذلك فرض علينا انتهى
وأشار قبل ذلك إلى الاعتذار عن رؤيتهم موسى بقوله فيه إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التي يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيها من رؤية أهل البصر لها فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة انتهى
وسبقه إلى نحو هذا الكلام الأخير الخطابي فقال فيه جواز الاطلاع على عورات البالغين لإقامة حق واجب كالختان ونحوه انتهى
وما ذكره القاضي عياض أظهر ومجرد تستر موسى عليه السلام لا يدل على وجوبه لما تقرر في الأصول أن الفعل لا يدل بمجرده على الوجوب وليس في الحديث أن موسى أمرهم بالتستر ولا أنكر عليهم التكشف وأما إباحة النظر للعورة للبراءة مما رمي به من العيوب فذلك إنما هو حيث ترتب على العيب حكم كفسخ النكاح ونحوه
فإذا ادعى أحد الزوجين على الآخر عيبا يفسخ به في العورة جاز النظر إليه ليرتب عليه الفسخ أو منعه وأما قضية السيد موسى عليه السلام فليس هناك أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك فلولا إباحة النظر إلى العورة لما مكنهم موسى عليه السلام من ذلك ولا خرج مارا على مجالسهم وهو كذلك
وأما اغتساله خاليا فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل وخرج بين أظهرهم عريانا لهذه المصلحة وهي إظهار البراءة مما اختلقوه عليه مع إباحة ذلك ويدل على إباحة كشف العورة في الشرع الأول ما وقع له عليه الصلاة والسلام وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفيه بإشارة العباس عليه بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة ولولا إباحته لما فعله لكنه ألزم بالأكمل والأفضل لعلو مرتبته والله أعلم
الثانية قوله وكان موسى يغتسل وحده أي عريانا ففيه دليل على إباحة كشف العورة في