فهرس الكتاب

الصفحة 313 من 1871

فعلهم ذلك من عصيانهم ومخالفتهم اختلف في ذلك فقال القاضي عياض فيه أن ستر العورة لم يكن واجبا في شرع موسى إذ ذكر أنه إنما فعل ذلك يعني الاغتسال وحده حياء وأنه لم ينكر على قومه ما كانوا يفعلونه وأن الله تعالى أظهر ذلك منه لقومه حتى نظروا إليه

وقال أبو العباس القرطبي إنما كان بنو إسرائيل تفعل هذا معاندة للشرع ومخالفة لموسى وهو من جملة عتوهم وقلة مبالاتهم باتباع شرع موسى ألا ترى أن موسى عليه الصلاة والسلام كان يستتر عند الغسل فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه ثم لم تكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأدرة فأظهر الله براءته مما قالوا فيه بطريق خارق للعادة زيادة في أدلة صدق موسى ومبالغة في قيام الحجة عليهم انتهى

وسبقه إلى ذلك ابن بطال فقال وأما اغتسال بني إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى بعض فيدل أنهم كانوا عصاة له في ذلك غير مقتدين بسنته إذ كان هو يغتسل حيث لا يراه أحد ويطلب الخلوة فكان الواجب عليهم الاقتداء به في ذلك ولو كان اغتسالهم عراة في غير الخلوة عن علم موسى وإقراره لذلك لم يلزمنا فعله لأن في شريعتنا الأمر بستر العورة عن أعين الآدميين وذلك فرض علينا انتهى

وأشار قبل ذلك إلى الاعتذار عن رؤيتهم موسى بقوله فيه إباحة النظر إلى العورة عند الضرورة الداعية إلى ذلك من مداواة أو براءة مما رمي به من العيوب كالبرص وغيره من الأدواء التي يتحاكم الناس فيها مما لا بد فيها من رؤية أهل البصر لها فلا بأس برؤية العورات للبراءة من ذلك أو لإثبات العيوب فيه والمعالجة انتهى

وسبقه إلى نحو هذا الكلام الأخير الخطابي فقال فيه جواز الاطلاع على عورات البالغين لإقامة حق واجب كالختان ونحوه انتهى

وما ذكره القاضي عياض أظهر ومجرد تستر موسى عليه السلام لا يدل على وجوبه لما تقرر في الأصول أن الفعل لا يدل بمجرده على الوجوب وليس في الحديث أن موسى أمرهم بالتستر ولا أنكر عليهم التكشف وأما إباحة النظر للعورة للبراءة مما رمي به من العيوب فذلك إنما هو حيث ترتب على العيب حكم كفسخ النكاح ونحوه

فإذا ادعى أحد الزوجين على الآخر عيبا يفسخ به في العورة جاز النظر إليه ليرتب عليه الفسخ أو منعه وأما قضية السيد موسى عليه السلام فليس هناك أمر شرعي ملزم يترتب على ذلك فلولا إباحة النظر إلى العورة لما مكنهم موسى عليه السلام من ذلك ولا خرج مارا على مجالسهم وهو كذلك

وأما اغتساله خاليا فكان يأخذ في حق نفسه بالأكمل والأفضل وخرج بين أظهرهم عريانا لهذه المصلحة وهي إظهار البراءة مما اختلقوه عليه مع إباحة ذلك ويدل على إباحة كشف العورة في الشرع الأول ما وقع له عليه الصلاة والسلام وقت بناء الكعبة من جعل إزاره على كتفيه بإشارة العباس عليه بذلك ليكون أرفق به في نقل الحجارة ولولا إباحته لما فعله لكنه ألزم بالأكمل والأفضل لعلو مرتبته والله أعلم

الثانية قوله وكان موسى يغتسل وحده أي عريانا ففيه دليل على إباحة كشف العورة في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت