رسول الله صلى الله عليه وسلم
والقول الخامس أنه يتخير بين السجود قبل السلام أو بعده سواء كان ذلك لزيادة أو نقص جمعا بين الأحاديث وروي عن علي بن أبي طالب بإسناد منقطع وإليه ذهب محمد بن جرير الطبري وهو قول قديم أيضا للشافعي وهذه المسألة مما اختلف فيها الأئمة الأربعة ولكل واحد منهم أحاديث صحيحة وقد أجاب أصحاب كل إمام منهم عن الأحاديث التي استدل بها غير إمامه بوجوه منها دعوى النسخ لما وقع بعد السلام فقد قال الزهري إن آخر الأمرين من فعله السجود قبل السلام واعترض عليه بأنه مرسل ولو كان مسندا فإنه لم يبين آخر الأمرين كان في ماذا فلعله كان آخر الأمرين في محل النقص فلا يدفع قول مالك وأجيب بأنه أطلق سجود السهو فلا يحمل على صورة منه
ومنها أن قوله بعد السلام أي بعد قوله في التشهد السلام عليك أيها النبي وهو بعيد
ومنها أن المراد بعد السلام على وجه السهو بدليل قوله في حديث عمران بن حصين عند مسلم فصلى ركعة ثم سلم ثم سجد سجدتين ثم سلم فحملنا السلام الأول على أنه سها في السلام وهو بعيد أيضا وقد قال جماعة بإعادة السلام بعد سجدتي السهو كما سيأتي وقد يقابله الحنفي بمثله فيقول سجوده قبل السلام سهو ولا تثبت الحجج بالاحتمالات والله أعلم
ومنها الترجيح بكثرة الرواة والأحاديث الدالة للقائلين به بعد السلام أكثر قال ابن دقيق العيد والاعتراض عليه أن طريقة الجمع أولى من طريقة الترجيح وأيضا فلا بد من النظر في محل التعارض واتخاذ موضع الخلاف من الزيادة والنقصان
ومنها ما أجاب به الحنفية أن المراد بقوله وسجد سجدتين أي سجود الصلاة وهو بعيد
ومنها ما اعترض به على المالكية أن حديث أبي سعيد فيمن شك فإنه يبني على أنه لم يفعل فيزيده ويسجد قبل السلام فهذا سهو للزيادة قبل السلام وأجابوا بأن الزيادة ليست محققة فيحتمل أنه لم يرد وإنما المراد الزيادة المحققة وعندهم في هذه الصورة روايتان واعترض أيضا عليهم أن حديث ذي اليدين قد نقص فيه من الصلاة وقد سجد بعد التسليم وأجابوا بأنه أتى بما نقصه وهو الركعتان وزاد السلام بعد الثنتين والكلام والمشي فسجد لهذه الزيادة لا لكونه نقص الركعتين فقد أتى بهما ورجح ابن دقيق العيد قول مالك ومن وافقه بظهور المناسبة قال وإذا ظهرت المناسبة وكان الحكم على وفقها كانت علة وإذا كانت علة عم الحكم جميع محالها فلا يتخصص ذلك بمورد النص انتهى
وهذا الخلاف المذكور في محل السجود قيل هو في الأولوية فقد قال ابن عبد البر إنهم أجمعوا على أنه لو سجد بعد السلام فيما قالوا فيه السجود قبل السلام أو سجد قبل السلام فيما قالوا فيه السجود بعد السلام لم يضره لأنه من باب قضاء القاضي باجتهاده لاختلاف الآثار والسلف فيه إلا أن مالكا أشد استثقالا لوضع السجود الذي بعد السلام قبل السلام والله أعلم
قلت وينبغي أن يحمل كلامه على اتفاق المالكية فإن الخلاف عند أصحابنا مشهور والمذهب أنه في الإجزاء لا في الأولوية والله أعلم