تبارك وتعالى انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل بها ما انتقص من فريضته ثم يكون سائر عمله على ذلك وفي النوافل التي قبل الفريضة معنى آخر وهو رياضة النفس بالدخول في النافلة وتصفيتها عما هي مكتفية به من الشواغل الدنيوية ليتفرغ قلبه للفريضة أكمل فراغ ويحصل له النشاط واقتضى كلام الشيخ تقي الدين في شرح العمدة أن المعنى الأول خاص بالنوافل التي بعد الفرائض فقال وأما السنن المتأخرة فقد ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض فإذا وقع الفرض ناسب أن يكون بعده ما يجبر خللا فيه إن وقع انتهى وليس كذلك فالذي ذكره غيره حصول الجبر بالنوافل المتقدمة والمتأخرة والحديث المتقدم يعم سائر التطوعات ولو تقدمت على الفرائض والله أعلم
الرابعة آكد هذه الرواتب ركعتا الفجر وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عائشة قالت أما ما لم يدع صحيحا ولا مريضا في سفر ولا حضر غائبا ولا شاهدا تعني النبي صلى الله عليه وسلم فركعتي الفجر وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري القول بوجوبهما وقولي هذه الرواتب احترزت به عن الوتر فهو أفضل من ركعتي الفجر على الأصح من قول الشافعي وهو مذهب مالك والقول الآخر تفضيل ركعتي الفجر ولم أر لأصحابنا تعرضا لآكد الرواتب بعدهما وقال المالكية والحنابلة آكدها بعدهما الركعتان بعد المغرب ويشهد له أن الحسن البصري قال بوجوبهما أيضا فروى محمد بن نصر المروزي في كتاب قيام الليل عن الحسن أنه كان يرى الركعتين بعد المغرب واجبتين ويرى الركعتين قبل صلاة الصبح واجبتين وفي مصنف ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير قال لو تركت الركعتين بعد المغرب لخشيت أن لا يغفر لي
وعن أبي جعفر مرسلا قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع الركعتين بعد المغرب وركعتين قبل الفجر في حضر ولا سفر وأما الآكد بعدهما فيحتمل أنه الركعتان بعد العشاء لأنهما من صلاة الليل وهي أفضل ويحتمل أنه سنة الظهر لاتفاق الروايات عليها وفي صحيح البخاري عن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة
وفي مصنف ابن أبي شيبة عن عمرو بن ميمون الأودي قال كانوا لا يتركون أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الفجر على حال
الخامسة كذا في رواية أبو مصعب ويحيى بن بكير قوله في بيته في موضعين أحدهما بعد المغرب والآخر بعد الجمعة وفي رواية يحيى بن يحيى والقعنبي ذكرها في المغرب فقط وفي رواية ابن وهب ذكرها في الركعتين بعد المغرب وبعد العشاء ولم يذكر انصرافه في الجمعة ولعل قوله في بيته متعلق بجميع المذكورات فقد ذكر بعضهم أن التقييد بالظرف يعود للمعطوف عليه أيضا لكن توقف فيه ابن الحاجب في مختصره
وينافيه قوله في رواية البخاري من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر فأما المغرب والعشاء ففي بيته وفي صحيح مسلم من هذا الوجه فأما المغرب والعشاء والجمعة فصليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته
واتفق العلماء على أفضلية فعل النوافل المطلقة في البيت واختلفوا في الرواتب فقال الجمهور الأفضل فعلها في البيت أيضا وسواء في ذلك راتبة الليل والنهار قال النووي ولا خلاف في هذا عندنا وقال القاضي أبو بكر بن العربي لم يختلف أحد من أهل العلم في ذلك
وكذا قال ابن عبد البر أنهم مجمعون على أن صلاة النافلة في البيوت أفضل انتهى ولم يقيده بالنافلة المطلقة ففي نفي الخلاف نظر فقد قال جماعة من السلف الاختيار فعلها كلها في المسجد وأشار إليه القاضي أبو الطيب من أصحابنا وقال مالك والثوري الأفضل فعل نوافل النهار الراتبة في المسجد وراتبة الليل في البيت قال النووي ودليل الجمهور صلاته عليه الصلاة والسلام سنة الصبح والجمعة في بيته
وهما صلاتا نهار مع قوله عليه الصلاة والسلام أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة انتهى
وقال ابن قدامة في المغني بعد أن قرر استحباب فعل السنن في البيت وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل عن الركعتين بعد الظهر أين تصليان فقال في المسجد ثم قال أما الركعتان قبل الفجر ففي بيته وبعد المغرب في بيته