نزول الوحي عليه في أسرع من طرفة عين كما في نزول قوله تعالى لا يستوي القاعدون من المؤمنين لما قام ابن أم مكتوم فقال يا رسول الله إني رجل ضرير البصر
فنزلت غير أولي الضرر هذا على أن العلماء يختلفون في مفهوم العدد هل هو حجة أم لا فمن لم يجعله حجة لا تحتاج إلى ذكر هذا الجواب ويقول ذكر هذا العدد لا ينافي حصول ذلك بأقل منه بل ولو جعلناه حجة فليس نصا قاطعا بل دلالته دلالة ضعيفة يقدم عليها غيرها عند معارضتها
وقال أبو العباس القرطبي بعد ذكره نحو ما قلناه ويحتمل أن يقال أن ذلك بحسب شدة وجد الوالدة وقوة صبرها فقد لا يبعد أن يكون من فقدت واحدا أو اثنين أشد ممن فقدت ثلاثة أو مساوية لها فتلحق بها في درجتها قلت ظاهر الحديث حمل ذلك على كل فاقد اثنين وعلى كل فاقد واحد فالتقييد بشدة الوجد الذي يصيره كفاقد ثلاثة يحتاج إلى دليل
وقال القاضي عياض يحتمل أنه عليه السلام قاله ابتداء لأتم الأشياء لأن ثلاثا أول الكثرة فأخبرهم بذلك لئلا يتكل من مات له ولد على ولده في شفاعته وسكت عما وراءه فلما سئل أعلم بما عنده في ذلك قال وفي قولها أو اثنان بعد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام ذلك في الثلاثة وهي من أهل اللسان دليل على أن تعليق الحكم بعدد ما لا ينافيه من جهة دليل الخطاب عما عداه من العدد كان أقل أو أكثر إلا بنص انتهى
الخامسة قال أبو العباس القرطبي إنما خص الولد بثلاثة لأن الثلاثة أول مراتب الكثرة فبعظم المصائب تكثر الأجور فأما إذا زاد على الثلاثة فقد يخفف أجر المصيبة بالزائد لأنها كأنها صارت عادة وديدنا كما قال المتنبي أنكرت طارقة الحوادث مرة ثم اعترفت بها فصارت ديدنا وقال آخر روعت بالبين حتى ما أراع له وبالمصائب في أهلي وجيراني ثم قال ويحتمل أن يقال إنما لم يذكر ما بعد الثلاثة لأنه من باب الأحرى والأولى إذ من المعلوم أن من كثرت مصائبه كثر ثوابه فاكتفى بذلك عن ذكره قلت إذا جعلنا لمفهوم العدد دلالة فدلالته في هذه الصورة في منع النقصان لا في منع الزيادة فإن من مات له أربعة فبالضرورة قد مات له ثلاثة فلا معنى لهذا الكلام الذي ذكره القرطبي وإذا أخبر الصادق بأن من مات له ثلاثة لم يلج النار إلا تحلة القسم فمات لشخص ثلاثة فحصلت له هذه البشرى ثم مات له أربع انقطعت هذه البشرى بموت هذا الرابع وصار على خطر دخوله النار بعد تلك البشرى وهب أن حزنه بهذا الرابع خفيف لاعتياده المصائب فهل يزيد ذلك على كونه لم تحدث له هذه المصيبة أصلا وكيف السبيل إلى إحباط ثواب ما مضى من المصائب بهذه