الآن وفي هذا إشارة إلى قرب وفاته عليه الصلاة والسلام وتقدم أصحابه ولهذا قال في رواية الصحيحين كالمودع للأحياء والأموات وكان هذا قبل وفاته في السنة الحادية عشرة فإنه بعد ثماني سنين من وقعة أحد وكانت سنة ثلاث ولهذا قال عقبة فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية له تقييد ذلك بكونه على المنبر ويحتمل أن لا يكون قيدا بل حكاية للواقع ولعله أظهر والله أعلم
الرابعة فيه إثبات حوض النبي صلى الله عليه وسلم وأنه حوض حقيقي على ظاهره مخلوق موجود اليوم وهو كذلك عند أهل السنة والجماعة لا يتأولونه ويجعلون الإيمان به فرضا وأحاديثه قد بلغت التواتر قال القاضي عياض بعد الإشارة إلى كثير منها وفي بعض هذا ما يقتضي كون الحديث متواترا وقد عرفت أنه في رواية مسلم وأن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وفي رواية بين ناحيتيه كما بين جرباء وأذرح وفي رواية عرضه مثل صوله ما بين عمان إلى المدينة وفي رواية من مقامي إلى عمان وفي رواية قدر حوضي ما بين أيلة وصنعاء اليمن وفي رواية ما بين ناحيتي حوضي كما بين صنعاء والمدينة وفي رواية حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وكل هذه الروايات في الصحيح قال القاضي عياض وهذا الاختلاف في قدر عرض الحوض ليس موجبا للاضطراب فإنه لم يأت في حديث واحد بل في أحاديث مختلفة الرواة عن جماعة من الصحابة سمعوها في مواطن مختلفة ضربها النبي صلى الله عليه وسلم في كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته وقرب ذلك من الإفهام لبعد ما بين البلاد المذكورة لا على التقدير الموضوع للتحديد بل للإعلام بعظم بعد المسافة فبهذا تجتمع الروايات وقال النووي بعد حكايته وليس في القليل من هذه المسافات منع الكثير فالكثير ثابت على ظاهر الحديث ولا معارضة والله أعلم
الخامسة قوله وأنا شهيد عليكم موافق لقوله تعالى وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ولقوله تعالى ويكون الرسول عليكم شهيدا وقد ذكر التفسير أنه عليه الصلاة والسلام يشهد على جميع الأمم من رآه ومن لم يره وقد أخبر عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث بأمرين كونه فرطا لهم يتقدمهم بعمل مصلحتهم وشهيدا عليهم يشهد بأعمالهم فكأنه باق معهم لم يتقدمهم بل يبقى بعدهم حتى يشهد بأعمال آخرهم فجمع