يحسم مادة الإشكال وهو أن موسى عليه السلام عرف ملك الموت فلطمه فانفقأت عينه امتحانا وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أمر بقبض روحه من غير تخيير وعند موسى ما قد نص عليه نبينا صلى الله عليه وسلم من أن الله تعالى لا يقبض روح نبي حتى يخيره فلما جاءه على غير الوجه الذي أعلم به بادر بشهامته وقوة نفسه إلى أدب ملك الموت فلطمه فانفقأت عينه امتحانا لملك الموت إذ لم يصرح له بالتخيير ومما يدل على صحة هذا أنه لما رجع إليه ملك الموت فخيره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم هذا الوجه إن شاء الله أصح ما قيل فيه وأسلم ا ه وقال القرطبي أيضا في الوجه المتقدم عن ابن خزيمة والمازري هو وجه حسن غير أنه اعترض بباقي الحديث وهو أن ملك الموت لما رجع إلى الله قال يا رب أرسلتني إلي عبد لا يريد الموت فلو لم يعرفه موسى وإنما دافعه عن نفسه لما صدق هذا القول من ملك الموت ا ه
فإن قلت إذا كان أجل موسى عليه السلام قد حضر فكيف تأخر مدة هذه المراجعة وإن كان لم يحضر فكيف جاء الملك ليقبض روحه قبل حضوره وقد قال الله تعالى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قلت لم يكن أجل موسى قد حضر ولم يبعث إليه ملك الموت ليقبض روحه وإنما بعث إليه اختبارا وابتلاء كما أمر الله تعالى خليله إبراهيم بذبح ابنه ولم يرد عز وجل إمضاء الفعل ففداه بذبح عظيم ولو أراد الله تعالى قبض روح موسى حين لطم ملك الموت لكان ما أراد قال الله تعالى إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وقد أجاب بما ذكرته الإمام أبو بكر بن خزيمة وهو حسن
الثالثة متن الثور بالتاء المثناة ظهره وقوله فيما توارت أي تغطت وقوله ثم مه هي ما الاستفهامية دخلت عليها هاء السكت للوقف عليها وهي لغة العرب إذا وقفوا على أسماء الاستفهام فإذا وصلوا حذفوها وقوله فالآن ظرف زمان غير متمكن مبني على الفتح وهو اسم لزمان الحال التي يكون المتكلم عليها وهو الزمان الفاصل بين الماضي والمستقبل
الرابعة في هذه الجملة ما يدل على أن موسى عليه السلام لما خيره بين الحياة والموت اختار الموت طلبا للقاء الله تعالى واستعجالا لما له عنده من الثواب والخير واستراحة من أكدار الدنيا وهذا كما أن نبينا عليه الصلاة والسلام لما خير عند موته قال اللهم الرفيق الأعلى فكذلك سائر الأنبياء
عليهم الصلاة والسلام الخامسة قوله رب ادنني من الأرض المقدسة رمية بحجر أي مقدار رمية فهو منصوب على أنه ظرف مكان والأرض المقدسة هي بيت المقدس وقال المهلب إنما سأل ذلك ليقرب عليه المشي إلى المحشر وتسقط عنه المشقة الحاصلة لمن بعد عنه وقال غيره إنما