فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 1871

وقد تقدم ذكره في الحديث الذي قبله ومن يقول بإباحتها له يقول لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريم وكذا قوله إنا لا نأكل الصدقة ليس فيه ما يدل على تحريم ذلك فلعله يترك ذلك تنزها عنه مع إباحته له وهذا خلاف ظاهر الحديث وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام الامتناع عن أكل الصدقة إما وجوبا وإما تنزها

السابعة فيه الفرق بين الصدقة والهدية وأنهما حقيقتان متغايرتان وقد ذكر أصحابنا الشافعية في الفرق بينهما أنه يعتبر في الهدية حملها إلى مكان المهداة له إعظاما له وإكراما وأنه يعتبر في الصدقة تمليك المحتاج تقربا إلى الله تعالى وطلبا لثواب الآخرة مع اشتراكهما في أن كلا منهما تمليك بلا عوض وقد اعترض بعض شيوخنا تقييد الصدقة بالاحتياج وقال إن الإعطاء بقصد التقرب صدقة سواء كان لغني أو فقير كما هو مقرر في موضعه وصرح النووي في شرح المهذب بنفي الخلاف في ذلك وبحصول الثواب في إعطاء الغني ولك أن تقول كيف تتحقق المنافاة بينهما مع إمكان اجتماع الأمرين أعني حملها إلى مكان المهداة له على سبيل التعظيم له والإكرام وكون الإعطاء بقصد التقرب إلى الله تعالى لا لاستمالة ذلك المعطى بل هذا أبلغ في التقرب إلى الله تعالى وهو تهيئة العطية للفقير وإراحته من التعب والحمل وأبعد عن كسر نفسه بمجيئه إلى باب المتصدق فيتهنأ وينحفظ عليه صوته وقد يقال هما أمران متنافيان فإنه إذا كان القصد التقرب إلى الله تعالى فلا نظر إلى خصوصية شخص بعينه حتى يعظم ويكرم بل القصد إرفاق المتصدق عليه كائنا من كان وفي تعظيم المهدى له ما ينافي قصد التقرب بإعطائه وهو النظر إلى خصوصيته فلا يجتمع قصد التقرب مع النظر إلى شخص بخصوصه فإن اجتمعا كان من باب التشريك في العبادة ويبقى النظر والحكم للداعية القوية التي هي بحيث لو فقدت لم توجد تلك العطية فإن قلت ففي الحديث كل معروف صدقة رواه الطبراني في معجمه من حديث بلال وهذا يقتضي صدق اسم الصدقة على مطلق العطية قلت لم يرد بالصدقة هنا مدلولها الأصلي الذي هو الإعطاء بقصد التقرب إلى الله تعالى وإنما استعمل الصدقة في مطلق العطية على سبيل المجاز والله أعلم

الثامنة فيه حجة لما يقوله الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن العبرة في العطاء بنية الدافع فمن عليه دينان بأحدهما رهن فدفع ما يؤدي أحدهما وقال أردت الدفع عن الدين الذي به الرهن لينفك وقال الآخذ إنما أخذته عن الذي لا رهن به فالقول قول الدافع وكذا لو قال

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت