فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
وقد تقدم ذكره في الحديث الذي قبله ومن يقول بإباحتها له يقول لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريم وكذا قوله إنا لا نأكل الصدقة ليس فيه ما يدل على تحريم ذلك فلعله يترك ذلك تنزها عنه مع إباحته له وهذا خلاف ظاهر الحديث وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه عليه الصلاة والسلام الامتناع عن أكل الصدقة إما وجوبا وإما تنزها
السابعة فيه الفرق بين الصدقة والهدية وأنهما حقيقتان متغايرتان وقد ذكر أصحابنا الشافعية في الفرق بينهما أنه يعتبر في الهدية حملها إلى مكان المهداة له إعظاما له وإكراما وأنه يعتبر في الصدقة تمليك المحتاج تقربا إلى الله تعالى وطلبا لثواب الآخرة مع اشتراكهما في أن كلا منهما تمليك بلا عوض وقد اعترض بعض شيوخنا تقييد الصدقة بالاحتياج وقال إن الإعطاء بقصد التقرب صدقة سواء كان لغني أو فقير كما هو مقرر في موضعه وصرح النووي في شرح المهذب بنفي الخلاف في ذلك وبحصول الثواب في إعطاء الغني ولك أن تقول كيف تتحقق المنافاة بينهما مع إمكان اجتماع الأمرين أعني حملها إلى مكان المهداة له على سبيل التعظيم له والإكرام وكون الإعطاء بقصد التقرب إلى الله تعالى لا لاستمالة ذلك المعطى بل هذا أبلغ في التقرب إلى الله تعالى وهو تهيئة العطية للفقير وإراحته من التعب والحمل وأبعد عن كسر نفسه بمجيئه إلى باب المتصدق فيتهنأ وينحفظ عليه صوته وقد يقال هما أمران متنافيان فإنه إذا كان القصد التقرب إلى الله تعالى فلا نظر إلى خصوصية شخص بعينه حتى يعظم ويكرم بل القصد إرفاق المتصدق عليه كائنا من كان وفي تعظيم المهدى له ما ينافي قصد التقرب بإعطائه وهو النظر إلى خصوصيته فلا يجتمع قصد التقرب مع النظر إلى شخص بخصوصه فإن اجتمعا كان من باب التشريك في العبادة ويبقى النظر والحكم للداعية القوية التي هي بحيث لو فقدت لم توجد تلك العطية فإن قلت ففي الحديث كل معروف صدقة رواه الطبراني في معجمه من حديث بلال وهذا يقتضي صدق اسم الصدقة على مطلق العطية قلت لم يرد بالصدقة هنا مدلولها الأصلي الذي هو الإعطاء بقصد التقرب إلى الله تعالى وإنما استعمل الصدقة في مطلق العطية على سبيل المجاز والله أعلم
الثامنة فيه حجة لما يقوله الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أن العبرة في العطاء بنية الدافع فمن عليه دينان بأحدهما رهن فدفع ما يؤدي أحدهما وقال أردت الدفع عن الدين الذي به الرهن لينفك وقال الآخذ إنما أخذته عن الذي لا رهن به فالقول قول الدافع وكذا لو قال