وعصرني يقال غطه وغته وضغطه وعصره وخنقه وغمزه كله بمعنى واحد وقوله حتى بلغ مني الجهد يجوز في الجيم الفتح والضم لغتان وهو الغاية والمشقة ويجوز في الدال النصب والرفع فالأول على أن فاعل بلغ ضمير يعود على جبريل أي بلغ جبريل مني الجهد
والثاني على أن الجهد فاعل أي بلغ الجهد مني مبلغه وغايته
قال النووي وممن ذكر الوجهين في نصب الدال ورفعها صاحب التحرير وغيره وقوله ثم أرسلني أي أطلقني قال النووي قال العلماء والحكمة في الغط شغله عن الالتفات والمبالغة في أمره بإحضار قلبه لما يقوله له وكرره ثلاثا مبالغة في التنبيه ففيه أنه ينبغي للمعلم أن يحتاط في تنبيه المتعلم وأمره بإحضار قلبه وقال السهيلي كأن في ذلك إظهارا للشدة والجد في الأمر وأن يأخذ الكتاب بقوة ويترك الأناة فإنه أمر ليس بالهوينى
قال وعلى رواية ابن إسحاق أن ذلك كان في نومه يكون في تلك الغطات الثلاث من التأويل ثلاث شدائد يبتلى بها أولا ثم يأتي الفرج والروح وكذلك كان لقي هو وأصحابه شدة من الجوع في شعب الخيف حين تعاقدت قريش أن لا يبيعوا منهم ولا يتركوا ميرة تصل إليهم وشدة أخرى من الخوف والإيعاد بالقتل وشدة أخرى من الإجلاء عن أحب الأوطان إليه ثم كانت العاقبة للمتقين انتهى
وعلى ما قدمته في الفائدة قبلها من الاحتمال تكون حكمة الغط إلزامه بالتلقي عنه والمتابعة له في القراءة والله تعالى أعلم
الثالثة والعشرون قال السهيلي انتزع بعض التابعين وهو شريح القاضي من هذا أن لا يضرب الصبي على القرآن إلا ثلاثا كما غط جبريل محمدا عليهما السلام ثلاثا
الرابعة والعشرون قال المهلب فيه من الفقه أن الإنسان يذكر وينبه إلى فعل الخير بما عليه فيه مشقة
الخامسة والعشرون فيه دلالة واضحة على
أن أول ما نزل من القرآن اقرأ وقد صح ذلك عن عائشة وروي عن أبي موسى الأشعري وعبيد بن عمير قال النووي وهو الصواب الذي عليه الجماهير من السلف والخلف وفيه قولان آخران
أحدهما أن أول ما نزل يا أيها المدثر رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله وأبي سلمة بن عبد الرحمن قال النووي وهو ضعيف بل باطل وإنما نزلت بعد فترة الوحي
ثانيهما أن أول ما نزل سورة الفاتحة قال بعض المفسرين وورد فيه حديث رواه البيهقي في دلائل النبوة وقال هذا منقطع فإن كان محفوظا فيحتمل أن يكون خبرا عن نزولها بعد ما نزلت عليه اقرأ باسم ربك و يا أيها المدثر وقال النووي بعد ذكره هذا القول بطلانه أظهر من أن يذكر