يضرب الكاتب الهندي"مولانا محمد علي"، مثالًا بعفو النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مشركي مكة بعدما فعلوا به ما فعلوه .. فيقول:
"والمكيون الذين أخضعوه وأصحابه، دائمًا وأبدًا، لأشد التعذيب بربرية؛ منحهم عفوًا عامًا" [1] !
ويقول"اللورد هيدلي"، معقبًا على عفو النبي - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة:
"عفا بلا قيد ولا شرط عن كل هؤلاء الذين اضطهدوه وعذبوه! آوى إليه كل الذين كانوا قد نفوه من مكة! وأغنى فقراءهم، وعفا عن ألد أعدائه؛ عندما كانت حياتهم في قبضة يده وتحت رحمته ... !" [2] ..
يقول"كولن":
"تأملوا معي كيف أنهم أخرجوه هو ومن يقف معه من بيوتهم إلى منطقة صحراوية معلنين عليهم المقاطعة، ومعلقين بنود هذه المقاطعة الشريرة على جدار الكعبة، وكانت تقضي بعدم التعامل معهم بيعًا وشراء وعدم التزوج من بناتهم أو تزويج بناتهم لهم."
وقد دامت هذه المقاطعة ثلاث سنوات بحيث اضطروا إلى أكل العشب والجذور وأوراق الأشجار، حتى هلك منهم الأطفال والشيوخ من الجوع دون أن تهتز منهم شعرة، أو تتحرك عندهم عاطفة رحمة. ولم يكتفوا بهذا، بل اضطروهم لترك بيوتهم وأوطانهم والهجرة إلى أماكن أخرى بعيدة. ولم يدعوهم في راحة هناك فبدسائسهم المختلفة سلبوا منهم طعم الراحة والاطمئنان.
وفي غزوات بدر وأُحد والخندق اشتبكوا معهم في معارك ضارية، وحرموهم حتى من أبسط حقوقهم كزيارة الكعبة، وأرجعوهم إلى ديارهم بعد إبرام معاهدة ذات شروط قاسية. ولكن الله تعالى أنعم عليهم ففتحوا مكة ودخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على رأس جيش عظيم.
فكيف كانت معاملته لأهل مكة بعد كل هذا التاريخ المملوء عداوة وبغضًا؟ لقد قال لهم:"اذهبوا فأنتم الطُلَقاء".." [3] "
ولو كان محمد - صلى الله عليه وسلم - من ملوك الدنيا لسالت دماء أهل مكة ولكنه قابله صنيعهم بالعفو فما كان منهم إلا أن دخلوا في دين الله أفواجا ..
يقول"مولانا محمد علي":
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته، ص 269 - 270.
(2) انظر: آتيين دينيه: محمد رسول الله، ص-27
(3) محمد فتح الله كولن: النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية، 2/ 100