عصرنا -، بل جعلها منهجًا عمليًا وطبقها بنفسه في غزواته وطبقها تلاميذه في السرايا والمعارك الإسلامية ..
وفي إكرامه - صلى الله عليه وسلم - للأسرى، مظهر فريد من مظاهر الرحمة، في وقت كانت تستباح فيه الحرمات والأعراض ..
"وكثيرًا ما أطلق [- صلى الله عليه وسلم -] سراح الأسرى في سماحة بالغة، رغم أن عددهم بلغ في بعض الأحيان ستة آلاف أسير" [1] .
يقول سيديو:"والكل يعلم أنه [- صلى الله عليه وسلم -] رفض -بعد غزوة بدر- رأي عمر بن الخطاب في قتل الأسرى ... وأنه صفح عن قاتل عمه حمزة، وأنه لم يرفض - قط -ما طلب إليه من اللطف والسماح" [2] .
لقد استشار النبي - صلى الله عليه وسلم - وزرائه في أسارى بدر فأشار عليه أبو بكر - رضي الله عنه - أن يأخذ منهم فدية، فهم بنو العم والعفو عنهم أحسن، ولعل الله أن يهديهم إلى الإسلام. وقال عمر - رضي الله عنه: لا والله ما أرى الذي رأى أبو بكر ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها!!
فهوي النبي - صلى الله عليه وسلم - ما قال أبو بكر، ولم يهو ما قال عمر. فلما كان من الغد أقبل عمر فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يبكى هو وأبو بكر فقال: يا رسول الله! من أي شئ تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء! لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة!"وأنزل الله تعالى قوله: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ [3] } .
وقد تكلم العلماء في أي الرأيين كان أصوب فرجحت طائفة قول عمر لهذا الحديث ورجحت طائفة قول أبي بكر لاستقرار الأمر عليه وموافقته الكتاب الذي سبق من الله بإحلال ذلك لهم ولموافقته الرحمة التي غلبت الغضب، ولتشبيه النبي - صلى الله عليه وسلم - له في ذلك بإبراهيم وعيسى، وتشبيهه لعمر بنوح وموسى، ولحصول الخير العظيم الذي حصل بإسلام أكثر أولئك الأسرى، ولخروج من خرج من أصلابهم من المسلمين، ولحصول القوة التي حصلت للمسلمين بالفداء ولموافقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر أولًا ولموافقة الله له آخرًا حيث استقر الأمر على رأيه ولكمال نظر الصديق فإنه رأى ما يستقر عليه حكم الله آخرًا وغلب جانب الرحمة على جانب العقوبة [4] ..
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و سيرته، ص 269
(2) لويس سيديو: (نقلا عن كتاب الإسلام بين الإنصاف و الجحود، ص 134) .
(3) سورة الأنفال: الآية 67
(4) ابن القيم: زاد المعاد، 3\ 99