فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 265

حياة أخروية"، عندئذ لن تكفهر حياته تمام الاكفهرار. ومن هذا المنطلق كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رحمة لهم بهذا المعنى [1] ."

المطلب الرابع: عبقرية الرحمة:

لقد كانت رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - من عوامل نجاحه التي استعملها واستفاد منها في دعوته، قال الله تعالى:

{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِك} [آل عمران 159:]

يعني: لولا رحمتك يامحمد لانفضوا من حولك رافضين دعوتك ..

كما إن رحمته - صلى الله عليه وسلم - من دلائل عبقريته وفطنته، بمعنى آخر كانت رحمته تشكل بُعدًا آخر من أبعاد عبقريته وفطنته، وكانت هذه الرحمة من عوامل نجاحه التي استعملها واستغلها، وجعل منها شِبَاك رحمة لصيد القلوب، واتخذ رحمته وسيلة لفتح القلوب السوداء، وتحريك المشاعر الصماء، ولا يعني هذا أنه كان يتصنع الرحمة، ويتخذها ذريعة للوصول إلى مآرب غير شرعية، بل كانت سمته الطبيعي وفطرته التي جبله الله عليها.

وشتان ما بين رحمة خالصة لوجه الله، ورحمة خالصة من أجل منفعة شخصية وضيعة، وشتان بين رحمة من أجل رسالة سامية، ورحمة من أجل زعامة فانية.

"هكذا كانت"الرحمة"في يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مفتاحًا سحريًّا. وبهذا المفتاح فتح مغاليق أقفال صدئة لم يكن أحد يتوقع فتحها بأي مفتاح، وأشعل شعلة الإيمان في القلوب .. أجل، لقد سلّم هذا المفتاح الذهبي إلى محمد المصطفى - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان أليق الناس به، والله تعالى دائمًا يسلم الأمانة لمن هو أهل لها." [2] .

المطلب الخامس: وسطية الرحمة:

ومن خصائص رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أنها رحمة متزنة وعادلة، فهو رحيم دون ضعف، متواضع بغير ذلة، محاربٌ لا يغدر، سياسيٌّ لا يكذب، يستخدم الحيلة في الحرب ولكن لا ينقض العهود والمواثيق، آمن خصومه بصدقه وأمانته، يجمع بين التوكل والتدبير، وبين العبادة والعمل، وبين الرحمة والحرب [3] ..

وهذا وهو الحال في أخلاق محمد - صلى الله عليه وسلم - جميعها، فهي تعمل ضمن منظومة متناسقة متناغمة، تتشابك جميعها لتأدية أغراضها، فلا تتوسع صفة أو تقوى على حساب أخرى، ولا تعمل إحداها ضد الصفة التي تقابلها. كالقرآن والسيف في دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالقرآن - في يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاب هداية لمن أراد الهدى، والسيف معه - صلى الله عليه وسلم - وسيلة لردع من يعتدي عليه.

(1) انظر: محمد فتح الله كولن: النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية، 2/ 69

(2) محمد فتح الله كولن: النور الخالد محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية 1/ 6

(3) انظر محمد علي الخطيب: محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة، 33

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت