فهرس الكتاب

الصفحة 64 من 265

النار، وعابد الحجارة، وعابد البقرة، فلا شك أنه لا يهنئ بحياة إنسانية كريمة، قد قيدتهها الموروثات العقدية الواهية. فكون النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - يجعل من جوهر رسالته أن يخرج هؤلاء البشر من هذا الحضيض إلى الحياة الإسلامية الشريفة؛ فذلك مظهر من مظاهر رحمته - صلى الله عليه وسلم -، وكان هذا هو ديدنه حتى كان له الفضل الأكبر في تحويل سدنة الأوثان إلى علماء، ودعاة حضارة وتنوير!

المبحث الثاني

التحضر والرقي

من مظاهر رحمته - صلى الله عليه وسلم - أنه ارتقى بالعرب إلى مستوى التحضر فوحد صفهم وأقام لهم دولة و جعل منهم أمة، وصفها القرآن بإنها خير أمة أخرجت للناس .. إن في ذلك لرحمة! رحمة أن يعيش العربي في ظلال دولة مدنية، وأمة متحضرة، وفي سبيل فكرة مستنيرة .. لا أن يعيش في صراعات قبلية، واقتتال على الناقة والعنزة، في سبيل أفكار رجعية أو عصبية منتنة، كما كان يسميها النبي - صلى الله عليه وسلم:"دعوها فإنها منتنة" [1] .

هذا ولم يقتصر فضل النبي - صلى الله عليه وسلم - على تحضر العرب وحدهم .. بل يمتد خيره ونوره إلى الشعوب والأمم الأخرى، خصوصًا أوربا ..

المطلب الأول: العرب من القبيلة إلى الدولة والأمة

أولًا: العرب لم يعرفوا الوحدة الحضارية قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -

يقول المفكر الألماني رودي بارت [2] :

"كان العرب يعيشون منذ قرون طويلة في بوادي وواحات شبه الجزيرة، يعيثون فيها فسادًا. حتى أتى محمد [- صلى الله عليه وسلم -] ودعاهم إلى الإيمان بإله واحد، خالق بارئ، وجمعهم في كيان واحد متجانس" [3] .

ويقول رودي بارت، في موضع آخر، مفصلًا:

"جاء محمد بن عبد الله [- صلى الله عليه وسلم -] ، النبي العربي وخاتمة النبيين، يبشر العرب والناس أجمعين، بدين جديد، ويدعو للقول بالله الواحد الأحد، كانت الشريعة [في دعوته] لا تختلف عن العقيدة أو الإيمان، وتتمتع مثلها بسلطة إلهية ملزمة، تضبط ليس الأمور الدينية فحسب، بل أيضًا الأمور الدنيوية، فتفرض على المسلم الزكاة، والجهاد ضد المشركين .. ونشر الدين الحنيف .. وعندما قبُض النبي العربي [- صلى الله عليه وسلم -] ، عام"

(1) صحيح البخاري، برقم 4525، قال هذه الكلمة عندما ضرب رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلا مِنْ الْأَنْصَارِ"فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ: يَا للأ نْصَارِ!! وَقَالَ الْمُهَاجِرِيُّ يَا لَلْمُهَاجِرِينَ!! فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:"مَا بَالُ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ!!"قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَسَعَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ. فَقَالَ:"دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ"يعني العصبية والتفاخر بالقبائل."

(2) مفكر وباحث ألماني، عكف على الدراسات الشرقية في جامعة هايدلبرج، وكرس حياته لدراسة الإسلام، وصنف عددًا كبيرًا من الكتب والأبحاث، منها ترجمته للقرآن الكريم، التي أصدرها في عامي 1964 ... و 1965، وله كتاب عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

(3) رودي بارت: الدراسات العربية والإسلامية في الجامعات الألمانية، ص 20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت