دوريًا لذوي الاحتياجات الخاصة، وقال لهم:"لا تسألوا الناس"، وبذلك أغناهم عن سؤال الناس، وعين موظفًا لخدمة كل مقعد أو كسيح أو ضرير [1] .
وإذا كان الإسلام قد قرر الرعاية الكاملة لذوي الاحتياجات الخاصة، والعمل على قضاء حوائجهم، فقد قرر أيضًا أولوية هذه الفئة في التمتع بكافة هذه الحقوق، فقضاء حوائجهم مقدم على قضاء حوائج الأصحاء، ورعايتهم مقدمة على رعاية الإكفاء، ففي حادثة مشهورة أن سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - عبس في وجه رجل أعمى - هو الصحابي الفاضل عبد الله ابن أم مكتوم - جاءه يسأله عن أمرٍ من أمور الشرع، وكان يجلس إلى رجالٍ من الوجهاء وعلية القوم، يستميلهم إلى الإسلام، و رغم أن الأعمى لم ير عبوسه، ولم يفطن إليه، إلا أن المولى تبارك وتعالى أبى إلا أن يضع الأمور في نصابها، والأولويات في محلها، فأنزل - سبحانه آيات بينات تعاتب النبي الرحيم عتابًا شديدًا:
عَبَسَ وَتَوَلَّى * أَن جَاءهُ الْأَعْمَى * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى * أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى * وَأَمَّا مَن جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى * فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى * كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ] [عبس: الآيات 1 - 12]
يقول الباحث الإنجليزي"لايتنر"معلقًا على هذا الحادث:
".. مرة، أوحى الله تعالى إلى النبي [- صلى الله عليه وسلم -] وحيًا شديد المؤاخذة لأنه أدار وجهه عن رجل فقير أعمى ليخاطب رجلًا غنيًا من ذوي النفوذ، وقد نشر ذاك الوحي، فلو كان [- صلى الله عليه وسلم -] كما يقول أغبياء النصارى بحقه [- صلى الله عليه وسلم -] لما كان لذاك الوحي من وجود!" [2] .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقابل هذا الرجل الأعمى، فيهش له ويبش، ويبسط له الفراش، ويقول له:
"مرحبًا بمن عاتبني فيه ربي" [3] !
ففي هذه القصة، نرى علة المعاتبة، لكونه - صلى الله عليه وسلم - انشغل بدعوة الوجهاء عن قضاء حاجة هذا الكفيف، وكان الأولى أن تُقضى حاجته، وتقدم على حاجات من سواه من الناس.
وفي هذه القصة دلالة شرعية على تقديم حاجات ذوي الاحتياجات الخاصة على حاجات من سواهم.
(1) انظر: ابن كثير: البداية والنهاية، 9/ 186، وتاريخ الطبري 5/ 265
(2) لايتنر: دين الإسلام، ص 12 - 13.
(3) تفسير القرطبي 19/ 184، والبيضاوي 451