قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال:"إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام ويأتي وقد شتم هذا .. وقذف هذا .. وأكل مال هذا .. وسفك دم هذا ... وضرب هذا ... فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته ... فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم .. فطرحت عليه ثم يطرح في النار" [1] .
ففي المثال الأول مهد للمستمعين قائلًا:"ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا .. ويرفع به الدرجات .. ؟"، ليتهيئ السامع، ويتجاوب مع السؤال، ويُعمل عقله، في محاولة الإجابة، ومن ثم يقوم النبي بالإجابة على السؤال بنفسه وقد استثار عقل السامع نحو فكرة الموضوع. فتدخل المعلومة إلى العقل، وقد اشتاق إلى المعلومة، كما تشتاق الأرض العطشى للمطر!
وبالمثل في المثال الثاني، فالسامع في اشتياق لمعرفة هذا المفلس وصفاته، بعدما تحرك العقل يمينًا وشمالًا لمعرفة الجواب الصحيح. فلا يزال العقل في حيرة حتى تصل إليه المعلومة الشافية، فتحصل الفائدة وترسخ المعلومة.
فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه"كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه .." [2] .
ومثال ذلك:
1 -قوله - صلى الله عليه وسلم:"ألا وقول الزور"فما زال يكررها ...
2 -ويقول ابن عمر: قال النبي - صلى الله عليه وسلم:"هل بلغت؟"ثلاثًا.
3 -وعن عبد الله بن عمرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"ويل للأعقاب من النار"مرتين أو ثلاثًا.
والتكرار في هذه النماذج للتفهيم والحفظ. وهذه من قبيل رفقه وتنبيهه للمستمع.
ثالثًا: التأني أثناء العرض:
فتصف عائشة طريقة عرض النبي - صلى الله عليه وسلم - فتقول:"ما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسرد كسردكم هذا ولكنه كان يتكلم بكلام بيّن، فصل، يحفظه من يجلس إليه" [3] .
والنبي - صلى الله عليه وسلم - بطريقة عرضه هذه، إن دلت على شيء فإنما تدل على رفقه ورحمته بالمستمعين ..
رابعًا: مراعاة طاقة المتعلمين:
(1) صحيح - رواه مسلم في كتاب البر والصلة، باب تحريم الظلم، رقم 2581.
(2) صحيح - رواه البخاري في كتاب العلم، باب من أعاد الحديث ثلاثا ليفهم عنه، رقم 95
(3) صحيح - رواه الترمذي في كتاب المناقب، باب كيف كان كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، رقم 191، وقال الألباني: صحيح.