ومن أجل تحقيق الحب والإخاء بين فصائل الشعوب، اعترف الإسلام بصدق الرسالات السماوية السابقة .. يقول مارسيل بوازار [1] - في ذلك:
"وقد فتح الإسلام الباب للتعايش على الصعيد الاجتماعي والعرقي حين اعترف بصدق الرسالات الإلهية المنزلة من قبل على بعض الشعوب، وجعل المسلمين منحدرين من نسل مشترك مع اليهود والنصارى عبر إبراهيم ... {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} [2] .." [3] .
يبين توماس آرنولد أن السبب في نجاح النبي - صلى الله عليه وسلم - في نشر قيم الحب والإخاء سواء بين الشعوب الإسلامية والقبائل والعشائر المختلفة، هو حسن الخلق والمعاملة الحسنة والجاذبية التي كان يتمتع بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فيقول آرنولد:
".. إن المعاملة الحسنة التي تعودتها وفود العشائر المختلفة من النبي [- صلى الله عليه وسلم -] واهتمامه بالنظر في شكاياتهم، والحكمة التي كان يصلح بها ذات بينهم، والسياسة التي أوحت إليه بتخصيص قطع من الأرض مكافأة لكل من بادر إلى الوقوف في جانب الإسلام وإظهار العطف على المسلمين، كل ذلك جعل اسمه [- صلى الله عليه وسلم -] مألوفًا لديهم، كما جعل صيته ذائعًا في كافة أنحاء شبه الجزيرة .. سيدًا عظيمًا ورجلًا كريمًا. وكثيرًا ما كان يفد أحد أفراد القبيلة على النبي [- صلى الله عليه وسلم -] بالمدينة ثم يعود إلى قومه داعيًا إلى الإسلام جادًا في تحويل إخوانه إليه .." [4] .
ولعل الفيلسوف إدوار مونته - هو الآخر - يبين السبب الأساس في قدرة النبي الكريم - صلى الله عليه وسلم - في نشر الحب والإخاء بين الناس، و هو ما عرف عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد [- صلى الله عليه وسلم -] أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظًا على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم" [5] .
(1) مفكر وقانونى فرنسى، وله كتابات مشهورة عن الإسلام، أهمها:"إنسانية الإسلام"، و الإسلام اليوم". ويعد كتابه الشهير"إنسانية الإسلام"، علامة مضيئة في مجال الدراسات الغربية للإسلام، بما تميز به من موضوعية، وعمق، وحرص على اعتماد المراجع التي لا يأسرها التحيز والهوى، وريادته في تناول الجانب الأخلاقي في الإسلام."
(2) سورة الحجرات: الآية 13، والاستشهاد بالآية من قبل مارسيل بوزار.
(3) مارسيل بوزار: إنسانية الإسلام، 184 - 185.
(4) توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام ص 55.
(5) كلمة للفيلسوف الفرنسي إدوار مونته الذي ولد في بلدته لوكادا (1817 ـ 1894) ، وقال هذه الكلمة في آخر كتابه (العرب) .