منها، بل ما هو أحط وأدنى" [1] .. فإنها حرب لا حكم فيها إلا لله الذي أرسل الرسل ذاتها، ونعم الحكم ما أعدله وما أقسطه، إذا كان من عند الخالق!"
معروف لدى كتب التاريخ أن يهود قريظة كانوا فصيل من فصائل المدينة المنورة.
ومعروف أنه بمجرد قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة عقد بينه وبين اليهود الموجودين بها معاهدة تنظم الشأن العام الداخلي والخارجي للمدينة. وكان من بنود هذه المعاهدة:
1 -التزام كل أبناء المدينة بما فيهم المسلمين واليهود بالمعايشة السلمية فيما بينهما وعدم اعتداء أي فريق منهما على الآخر.
2 -الدفاع المشترك عن المدينة ضد أي اعتداء خارجي على المدينة.
وحدث في شوال 5 هـ \ مارس 627 م .. أن مر المسلمون بظروف قاسية عندما تجمعت أكبر قوة معادية للمسلمين في ذلك الوقت للقضاء عليهم داخل المدينة، وأحاطت جيوش التحالف المشركة بالمدينة في عشرة آلاف مقاتل، من مشركي قريش وأشجع وغطفان وبني سليم وأسد وفزارة .. على حين لم يزد عدد المسلمين على ثلاثة آلاف مقاتل، وكان المتوقع أن ينضم يهود بني قريظة إلى صفوف المسلمين ضد القوات المحتلة لحدود المدينة، بناء على نصوص المعاهدة المبرمة بين الفريقين .. لكن الذي حدث هو عكس هذا، فقد فوجئ المسلمون ببني قريظة يخونهم في أخطر أوقات محنتهم، ولم يرعوا للجوار حقًا، ولا للعهود حرمة، بل كانوا يسعون من وراء انضمامهم هذا إلى صفوف القوات الغازية التعجيل بالقضاء على المسلمين ودولتهم الناشئة!
أحدثت هذه الخيانة زلزالًا عنيفًا في نفوس المسلمين، وجرحًا عميقًا في وجدانهم، لا سيما بعد إعلان قريظة - جهارًا نهارًا - الانضمام إلى صفوف الغزاة .. لدرجة أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - حرص أول الأمر على كتمان الخبر على الشعب لما كان يخشى من وقعه على نفوس الجنود. وبمجرد أن انتهى إلى سمعه - صلى الله عليه وسلم - النبأ أرسل وفدًا دبلوماسيًا مكونًا من القادة الأفاضل سعد بن معاذ (قائد الأوس) ، وسعد بن عبادة (قائد الخزرج) ، وعبد الله بن رواحة، وخوات بن جبير- رضوان الله تعالى عليهم - ليذّكروا القوم بما بينهم وبين المسلمين من عقود وعهود، ويحذروهم مغبة ما هم مقدمون عليه، ولكن دون جدوى!
وبعد أن ولى المشركون المحتلون وحلفاؤهم الأدبار، يحملون معهم الهزيمة والإخفاق، وفشلت محاولاتهم لاقتحام المدينة المنيعة. رجع المقاتلون المسلمون إلى بيوتهم بالمدينة يستريحون من هذه الغمة، ويلتقطون أنفاسهم بعد فزع وقلق نفسي مريع دام شهرًا كاملًا.
(1) توماس كارلايل: الابطال، ص 76