[- صلى الله عليه وسلم -] والجماعة المخلصة القليلة من أتباعه إلى المدينة يوم 16 يوليه 622 م وهو تاريخ هام يجب أن لا ننساه لأنه عام الهجرة الذي يؤرخ به جميع المسلمين حتى الآن" [1] .."
وهناك في المدينة المنورة جمع الله علي محمد - صلى الله عليه وسلم - أهل يثرب من قبيلتي الأوس والخزرج أخوةً متحابين بعد قتال مرير وعداوة وقعت بينهم بسبب قتيل، فلبثت بينهم الحروب والصراعات مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها الله بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وألف بينهم؛ حتى صاروا أمة واحدة، ودولة واحدة، ولكن المشركين ازداد حنقهم على الإسلام وأهله، لاسيما بعد هذا التقدم الهائل لدعوة الإسلام، وقيام دولة للمسلمين، فشن المشركون المكيون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلسلة من الحروب المتتابعة، ومن ثم أذن الله للمسلمين بالقتال للدفاع عن دينهم وأنفسهم ودولتهم الناشئة .. التي يحاول الوثنيون القضاء عليها في مهدها. فشنوا على المسلمين حروبًا، كمعركة بدر (17 رمضان 2 هـ/13 مارس 624 م) ، ومعركة أُحد (شوال 3 هـ/إبريل 624 م) ، ومعركة الأحزاب (شوال 5 هـ\ مارس 627 م) ..
ولقد بلغ عدد الغزوات التي قادها النبي - صلى الله عليه وسلم - 28 غزوة، منها 9 غزوات دار فيها القتال بين الطرفين، والباقي لم يحدث فيها قتال، واستمرت هذه الغزوات من العام الثاني للهجرة حيث غزوة ودَّان (الأبواء) (صفر 2 هـ - أغسطس 623 م) .وحتى العام التاسع حيث غزوة تبوك (رجب 9 هـ / أكتوبر 630 م) .
يقول المؤرخ لويس سيديو [2] - معلقًا على هذه المعارك:
"فدفع الله شرهم، وهو أولى أن يحفظ نبيه [- صلى الله عليه وسلم -] القائم بالدعوة له، وأحق أن يجعل كيدهم في نحورهم وما زال آخذًا بيمينه، حتى غنى له الزمن، وصفق له الدهر" [3] .
وعقب هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلم عدد من خيار علماء اليهود في المدينة، صدَّقوا بمحمدٍ - صلى الله عليه وسلم - واتبعوه بعد أن عرفوه بنعته الوارد في كتبهم، منهم الحبر اليهودي العلامة: عبد الله بن سلام - رضوان الله تعالى عليه -.
واستطاع النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد حوالي 19 سنة - كلها معاناة وإيذاء من المشركين - أن ينتزع من قريش صلحًا سمِّي صلح الحديبية في شهر ذي القعدة سنة ست من الهجرة (في مارس 628 م) ، ليتفرغ
(1) رالف لنتون: شجرة الحضارة، 1/ 341.
(2) لويس سيديو (1808 - 1876) : مستشرق فرنسي. ولد وتوفي بباريس. كان أبوه (جان جاك إمانويل سيديو، المتوفي سنة 1832) فلكيًا من المستشرقين أيضًا. وتخرّج بكلية هنري الرابع، وعين مدرسًا للتاريخ في كلية «بوربون» سنة 1823. وهو صاحب كتاب «Histire des Arabes» ألّفه بالفرنسية، وأشرف علي مبارك باشا علىَ ترجمته إلىَ العربية، وسماه «خلاصة تاريخ العرب العام» ومن آثار «سيديو» أيضًا: «جامع المبادئ والغايات في الاَلات الفلكية» .
(3) لويس سيديو: خلاصة تاريخ العرب ص 54