محمد [1] ، فلما انتهى إليهم، وأخبروه الخبر طلب رداء فوضع الحجر وسطه وطلب من رؤساء القبائل المتنازعين أن يمسكوا جميعًا بأطراف الرداء، وأمرهم أن يرفعوه، حتى إذا أوصلوه إلى موضعه أخذه بيده فوضعه في مكانه [2] ..
وهذا حل حكيم من رجل حكيم تراضت قريش بحكمه.
ولقد راح المفكرون والعلماء، يعلقون على هذا الحادث بتعليقات مليئة بالتقدير والإعجاب لهذه الشعلة العبقرية التي تحاول في حرص شديد دائم على تحقيق الأمن والسلم بين الناس، وعن نجاح محمد - صلى الله عليه وسلم - من تفهم الموقف بسرعة عظيمة، والتوسل بهذه الحيلة البريئة وإرضاء زعماء قريش جميعًا ..
فقد استرعت هذه الحادثة انتباه الباحث الألماني أغسطينوس موللر (1148 - 1894) ، فتوقف عندها مليًا، في كتابه"الإسلام"، وتعرض لسياسة النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا المقام وأنه"أدهش قريشًا بسياسته الرشيدة" [3] .
كما توقف الأب هنري لامنس عند هذه الحادثة فقال:
"لما اختلفت قريش في قضية بناء الكعبة، وأي فخذ منها يجب أن يعهد إليه بوضع الحجر الأسود في مكانه، وكادوا يقتتلون، فاتفقوا على أن يعهدوا بذلك إلى محمد بن عبد الله الهاشمي [- صلى الله عليه وسلم -] ، قائلين: هذا هو الأمين!" [4] .
ولقد ربط المستشرق"أرثر جيلمان"بين هذه الحادثة التي منعت اقتتال القبائل العربية، وبين المرحلة التالية لبدء البعثة والوحي، والتي تشكل مقدمة الدعوة الإسلامية، بقوله:
"لا بد أن يكون محمد [- صلى الله عليه وسلم -] قد تأثر بإعجاب القوم وتقديرهم العظيم بهذه الفكرة التي بسطت السلام بين مختلف القبائل، ولايستبعد أن يكون محمد [- صلى الله عليه وسلم -] قد أخذ يحس بنفسه أنه من طينة أرقى من معاصريه، وأنه يفوقهم جميعًا ذكاءً وعبقرية، وأن الله قد اختاره لأمر عظيم .. !" [5] .
(1) الطبري: تاريخ الأمم والملوك 1\ 526، وابن كثير: البداية والنهاية، 2\ 303
(2) انظر في هذه الحادثة أيضًا: محمد بن يوسف الصالحي: سبل الهدى والرشاد، 2\ 171، وابن الجوزي: صفة الصفوة،1\ 77
(3) انظر: محمد شريف الشيباني: الرسول في الدراسات الإستشراقية المنصفة، ص 22، 23.
(4) هنري لامنس: عهد الإسلام، ص 65
(5) ارثر جيلمان: الشرق، ص 117