وفي كل يوم يزداد فيه التقدم الإسلامي عقب الهجرة، يزداد معه حنق الوثنيين وغيظهم على المسلمين.
وأصبح المسلمون في حاجة ماسة للتسلح والدفاع عن أنفسهم ولحماية عقيدتهم ودولتهم، وبالفعل نزل النص القرآني يجيز للمسلمين الدفاع عن أنفسهم بالسلاح، إضافة جواز مطاردة المصالح المادية والتجارية لقريش، من أجل استرداد الأموال والحقوق التي استلبتها قريش من المسلمين المستضعفين عند هجرتهم.
قال الله تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} [الحج: 39] .
وكان الإذن بالقتال واسترداد الحقوق بالقوة، لعدة اعتبارات شرعية ومنطقية وجيهة:
عندما هاجر المسلمون من مكة إلى المدينة، أصبحوا في ضيق من العيش، حيث صادر كفار مكة أموال وعقارات وتجارات المسلمين، وقام المشركون بتوزيع هذه الأموال بين صناديد مكة ظلمًا وسحتًا!
وكانت تجارة قريش تمر بالمدينة في الذهاب وفي العودة حال رحلتها الصيفية إلى الشام. وكانت بالنسبة للمسلمين فرصة ذهبية لاسترداد بعض حقوقهم.
ثانيًا: إعلان الحرب على الدولة الإسلامية الناشئة:
بادر زعماء مكة في إعلان الحرب على المسلمين، والسعي بشتى الطرق لإحداث حرب أهلية داخل المدينة، فأرسلوا إلى عميلهم عبد الله بن أبي بن سلول- وكان إذ ذاك مشركًا بصفته رئيس المدينة قبل الهجرة، فقد كاد الأوس والخزرج أن يجعلوه ملكًا عليهم، لولا هجرة النبي كتبوا إلى ابن سلول ومن خلفه من المنافقين في كلمات تنم عن شدة الحنق والغيظ على المسلمين:
"إِنَّكُمْ آوَيْتُمْ صَاحِبَنَا! وَإِنَّا نُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتُقَاتِلُنَّهُ أَوْ لَتُخْرِجُنَّهُ أَوْ لَنَسِيرَنَّ إِلَيْكُمْ بِأَجْمَعِنَا حَتَّى نَقْتُلَ مُقَاتِلَتَكُمْ وَنَسْتَبِيحَ نِسَاءَكُمْ"..
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ اجْتَمَعُوا لِقِتَالِ النَّبِيِّ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ، لَقِيَهُمْ فَقَالَ:"لَقَدْ بَلَغَ وَعِيدُ قُرَيْشٍ مِنْكُمْ الْمَبَالِغَ! مَا كَانَتْ تَكِيدُكُمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا تُرِيدُونَ أَنْ تَكِيدُوا بِهِ أَنْفُسَكُمْ، تُرِيدُونَ أَنْ تُقَاتِلُوا أَبْنَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ؟!".. فَلَمَّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ تَفَرَّقُوا [1] .
(1) سنن أبي داود، باب في خبر النضير، حديث 2610، وصححه الألباني في صحيح وضعيف سنن أبي داود.