لقد رسخ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قيم العدالة والمساواة في نفوس وزرائه وأتباعه، فكان يقول ـ محذرًا من استعباد الناس ـ:"لا يقولن أحدكم عبدي وأمَتي .. كلكم عباد الله وكل نسائكم إماء الله. ولكن ليقل: غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي. ولا يقل العبد: ربي ولكن ليقل: سيدي" [1] ..
فيقول:"كلكم بنو آدم و آدم خُلق من تراب. لينتهين قوم يفتخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان" [2] .
ولقد عنّف الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبا ذر - رضي الله عنه - تعنيفًا شديدا ً لما عير بلالًا بأمه ..
فعَنْ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ قَالَ لَقِيتُ أَبَا ذَرٍّبِالرَّبَذَةِ وَعَلَيْهِ حُلَّةٌ، وَعَلَى غُلَامِهِ حُلَّةٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ ذَلِكَ -أى كيف تلبس حلة ويلبس خادمك أو صبيك نفس الحلة التى تلبسها؟ -، فَقَالَ: إِنِّي سَابَبْتُ رَجُلًا فَعَيَّرْتُهُ بِأُمِّهِ. فَقَالَ لِي النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم:"يَا أَبَا ذَرٍّ! أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ .. إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَاكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" [3]
فكأن أبي ذر رفع شعار المساواة بعد هذا التعنيف من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأصبح أبو ذر يأكل ما يأكل منه خادمه، ويلبس ما يلبس منه خادمه!
ثالثًا: العدل بين الأولاد:
عن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ
أَنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْ أَبَاهُ بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ مِنْ مَالِهِ لِابْنِهَا فَالْتَوَى بِهَا سَنَةً ثُمَّ بَدَا لَهُ فَقَالَتْ: لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى مَا وَهَبْتَ لِابْنِي! فَأَخَذَ أَبِي بِيَدِي وَأَنَا يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمَّ هَذَا بِنْتَ رَوَاحَةَ أَعْجَبَهَا أَنْ أُشْهِدَكَ عَلَى الَّذِي وَهَبْتُ لِابْنِهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"يَا بَشِيرُ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَى هَذَا؟"
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ:"أَكُلَّهُمْ وَهَبْتَ لَهُ مِثْلَ هَذَا؟؟"
قَالَ: لَا
قَالَ:"فَلَا تُشْهِدْنِي إِذًا فَإِنِّي لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ" [4] .
رابعًا: عدله مع غير المسلمين:
(1) صحيح - رواه مسلم وصححه الألباني في تحقيق مشكاة المصابيح، ج 3 / ص 31
(2) صحيح - صححه الألباني في صحيح وضعيف الجامع الصغير، ج 18 / ص 344
(3) صحيح - رواه البخاري، برقم (29)
(4) صحيح- رواه البخاري (2456) و مسلم - (3056) ، واللفظ لمسلم