فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 265

لم يكن خطابه - صلى الله عليه وسلم - إلى الناس خطابًا دكتاتوريًا مستبدًا، أو براجماتيًا نفعيًا، إنما كان خطابه إلى الناس خطابًا تربويًا .. لم يكن يغلب عليه طابع الحاكم بقدر ما غلب عليه طابع المعلم الوقور الذي يتحدث إلى تلاميذه .. وهذا من تجليات رحمته - صلى الله عليه وسلم - ..

المطلب الأول: المعلم الرحيم:

كان النبي - صلى الله عليه وسلم - هو المعلم الرحيم والمصلح الكبير لإبناء الإنسانية، علمهم الحياة، والحضارة، فأصلح شؤونهم بعد فساد، يقول الباحث الهولندي وث (1814 - 1899 م) :

"لقد جاء قرآن العرب [1] على لسان نبيهم محمد العظيم [- صلى الله عليه وسلم -] !، وعلمهم كيف يعيشون في هذه الحياة، وقد وحد صفوفهم وجمع كلمتهم وأدبهم حتى لا ترى أمة من الأمم أحسن منهم، وبالنهاية اعتمدوه في كل أمورهم، وكان يتلقى الوحي من ربه الذي يوحي إليه، ثم ينقله إلى الناس، بعد أن يكتبه له الكتاب الذين انتدبهم لذلك" [2] ..

كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - في سائر مراحل حياته القدوة الإنسانية والمثل الأعلى والنموذج الأمثل للمعلم الكبير، وقد جاء في القرآن الكريم: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]

"فهو القدوة الطيبة التي أرسلها الله رحمة لنا وحبًا بنا، حتى نقتفي أثره" [3]

وهذه القدوة التي تمسك بها المسلمون، عادت عليهم بانتشار هذا الدين في تلك الرقعة الفسيحة في الأرض كما يقول توماس آرنولد، و"وقفوا حياتهم على الدعوة إلى الإسلام، متخذين من هدي الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] مثلًا أعلى وقدوة صالحة" [4] .

المطلب الثاني: نماذج رحمته بالمتعلمين:

فمن نماذج رحمته - صلى الله عليه وسلم - في التربية ما رواه مُعَاوِيَةَ بنِ الْحَكَمِ السّلَمِيّ قال: صَلّيْتُ مَع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ الله, فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَاثُكْلَ أُمَيّاهُ! مَا شَانُكُم تَنْظُرونَ إلَيّ؟! قال:

فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأيْدِيهِمْ عَلَى أفْخَاذِهِمْ فَعَرَفْتُ أنّهُمْ يُصَمّتُونِي، فَلَمّا رَأيْتُهُمْ يُسكّتُونِي سكَتّ، فَلَمّا صَلّى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بِأبِي وَأُمّي - مَا ضَرَبَني وَلا قهَرَني وَلا سَبّنِي. ثُمّ قال:"إنّ هَذِهِ الصّلاَةَ لا يَحِلّ فيها شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النّاسِ هَذَا. إنّمَا هُوَ التّسْبِيحُ وَالتّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ" [5] .

(1) بل هو قرآن البشر كلهم!

(2) وث: محمد والقران، ص 78.

(3) هذه الكلمة للقس السابق الدكتور دُرّاني، انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 4/ 27 - 28.

(4) توماس آرنولد: الدعوة إلى الإسلام، ص 27

(5) صحيح - أخرجه مسلم في الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ماكان من إباحة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت