"وفي إقامة العدالة كان الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] منصفًا حتى التوسوس. كان المسلمون وغير المسلمين، والأصدقاء والأعداء، كلهم سواء في نظره. وحتى قبل أن يُبعث إلى الناس كانت أمانته وتجرده واستقامته معروفة لدى الخاص والعام، وكان الناس يرفعون منازعاتهم إليه حتى يحكم فيها. وفي المدينة رضي الوثنيون واليهود به حكمًا في منازعاتهم كلها. وعلى الرغم من حقد اليهود العميق الجذور على الإسلام فإن الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] حكم - عندما عرض عليه ذات مرة نزاع بين يهودي ومسلم - لليهودي بصرف النظر عن أن المسلم قد ينفر بذلك من الإسلام، بل ربما بصرف النظر عن أن قبيلته كلها قد تنفر بذلك من الإسلام. ولا حاجة بنا إلى تبيان أهمية خسارة كهذه بالنسبة إلى الإسلام في أيام ضعفه ومحنته تلك، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان." [1] .
"ولقد نبه [- صلى الله عليه وسلم -] ابنته فاطمة، إلى أن أعمالها وحدها سوف تشفع لها يوم القيامة. وقال أيضًا:"لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" [2] . وفيما كان على فراش الاحتضار، قبيل وفاته بقليل، سأل كل من له عليه دين أن يتقاضاه ذلك الدين، ولكل من أساء إليه ذات يوم أن يثأر لنفسه منه" [3] .
إن صفة العدالة/ المساواة التي تخّلق بها نبي الإسلام ونظام الإسلام قد دفعت الكثيرين إلى اعتناق الإسلام، فالمساواة والعدالة في الإسلام - كما يقول"جاوبا" [4] -"تختلف عنها في البلشفية التي تعمل على سحق الأغنياء لصالح الفقراء، ولا هي كالمساواة عند النصارى حيث يجلد الرجل الزنجي لا لشيء إلا لأنه وقع بصره على امرأة بيضاء. ويعبد الزنوج ربهم في كنائس خاصة بهم مستقلة عن كنائس البيض. أما في الإسلام فجميع المساجد مفتحة أبوابها لكل مسلم غنيًا كان أم فقيرًا، أسودَ كان أو أبيضَ، ملكًا كان أو عبدًا. وهذه الصفة تقيم صرح وحدة حقيقية راسخة بين المسلمين. ومن أجل ذلك فإن الدين الإسلامي لا يقيم مراسيم خاصة لكل داخل في الإسلام كما تفعل الأديان الأخرى، وإنما حسب المرء أن ينطق بالشهادتين حتى يغدو عضوًا في أعظم أخوة عالمية يتساوى في ظلها الناس جميعًا في الواقع العملي الملموس إلى جانب الناحية النظرية المجردة .. وليس في العالم كله أشمل وأصدق من هذه الأخوة الإسلامي" [5] .
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمارس سلوكيات العدالة والمساواة في أدق تفصيل حياته اليومية، مع الغريب والقريب، في السفر والحضر، كمدين وكدائن .. بل نراه إيجابيًا عندما شارك في تأسيس هيئة خيرية تعنى بنصرة
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته، ص 270 وما بعدها
(2) صحيح - رواه البخاري برقم (3216) ومسلم، برقم (3196) .
(3) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته، ص 270 وما بعدها
(4) ك. ل. جاوبا: هندوكي مثقف، ومحامي كبير بالمحاكم العليا، درس الإسلام، ولم يرض أن يظل على دينه الذي ورثه عن آبائه وأجداده، وأخذ يقارن بين الأديان، وانتهى الأمر به إلى اعتناق الإسلام.
(5) انظر: عرفات كامل العشي: رجال ونساء أسلموا، 3/ 83 - 84.