ويشير"جورج حنا" [1] إلى هذا التوازن في شخصية النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقول:
"إنه [- صلى الله عليه وسلم -] لم يرض بأن يحوّل خدّه الأيسر لمن يضربه على خدّه الأيمن .. بل مشى في طريقه غير هيّاب، في يده الواحدة رسالة هداية، يهدي بها من سالموه، وفي يده الثانية سيف يحارب به من يحاربوه. لقد آمن به نفر قليل في بداية الدعوة، وكان نصيب هذا النفر مثل نصيبه من الاضطهاد والتكفير .. كان هؤلاء باكورة الديانة الإسلامية، والشعلة التي انطلقت منها رسالة محمد [- صلى الله عليه وسلم -] " [2]
ومظهرٌ آخر للتوازن، هو ثبات صفة الرحمة فيه - صلى الله عليه وسلم -، فهر رحيم في كل أحواله وأطواره ومواقفه، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - رحيم قبل البعثة وبعد البعثة، قبل الفتح وبعد الفتح، رحيم في النصر والهزيمة، رحيم في عسره ويسره، رحيم في سفره وحضره ... الخ
ومن خصائص رحمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أيضًا أنها ليست مجرد تعاليم نظرية، أو تطلعات فلسفية، أو كما يقال حبرًا على ورق، بل شأنها كشأن سائر خصاله وأخلاقه التي ترجمها إلى منهج حياة عملية، وواقع حي عاشه المسلمون في العهود الإسلامية العريقة ..
فرحمة النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - رحمة تطبيقية يمارسها في حياته اليومية، كما تقول عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن خلقه، فقالت"كان خلقه القرآن" [3] ، فقد خرج من تعاليم القرآن المكتوبة إلى واقع الحياة بتطبيق هذه التعاليم وممارستها سلوكًا عمليًا.
(1) الدكتور جورج حنا: كاتب نصراني من لبنان، وصاحب كتاب (قصة الإنسان) .
(2) جورج حنا: قصة الإنسان، ص 76.
(3) صحيح - رواه أحمد برقم 23460، وصححه الألباني في صحيح الجامع، رقم 4811.