فلما انتصر النبي - صلى الله عليه وسلم - على المشركين في معركة بدر نصرًا ساحقًا، وقُتل في هذه الموقعة سبعون من صناديد الوثنية، لم يأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتمثيل بجثث القتلى أو إهانتها، بل أمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم - بدفن هذه الجثث في بئر من آبار بدر القديمة ..
وقد ورد أنه -صلى الله عليه وسلم- وقف على القتلى فقال - يعاتبهم في حرقة: «بئس عشيرة النبي كنتم لنبيكم، كذبتموني وصدقني الناس، وخذلتموني ونصرني الناس، وأخرجتموني وآواني الناس» [1] .
ونادى عليهم وهم في البئر قائلًا: «يا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا فلان، ويا فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله! ما تخاطب من أقوام قد جيفوا؟ فقال: «والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون الجواب» [2] .
المطلب الثاني: جثة نوفل بن عبد الله!
لما حاول نوفل بن عبد الله - لعنه الله - اقتحام الخندق الذي صنعه المسلمون لتحصين المدينة من حصار التحالف الوثني - في غزو الأحزاب - ومات مقتولًا في الخندق، عندما أصر على اقتحامه في فرقة من المشركين، سأل المشركون المسلمين جثته بمال يعطونه المسلمين، فأرسل المشركون إلى النبي: أن أرسل إلينا بجسده ونعطيك اثني عشر ألفًا [3] .. فتعفف رسول الله عن هذا المال الخبيث، ونهاهم عن ذلك وكرهه!! وقال:"ادْفَعُوا إِلَيْهِمْ جِيفَتَهُمْ فَإِنَّهُ خَبِيثُ الْجِيفَةِ خَبِيثُ الدِّيَةِ" [4]
وفي رواية قال:"ولا نمنعكم أن تدفنوه، ولا أرب لنا في ديته" [5] . فلم يقبل منهم شيئًا، وخلى بينهم وبينه ..
وفي رواية: عن عن عكرمة أن نوفلًا تردى به فرسه يوم الخندق فقُتل فبعث أبو سفيان إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بديته مائة من الإبل فأبى النبي -صلى الله عليه وسلم -وقال:"خذوه فإنه خبيث الدية خبيث الجثة" [6] ..
وقال صلى الله عليه وسلم:"هو لكم، لا نأكل ثمن الموتى" [7]
(1) ابن القيم: زاد المعاد (3/ 187) .
(2) البخاري (7/ 234) كتاب المغازي، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على كفار قريش.
(3) علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/ 628
(4) رواه أحمد (2230) ،) 2442)، والتِّرْمِذِيّ (1715) والقصة منتشرة في كتب السيرة.
(5) علي بن برهان الدين الحلبي: السيرة الحلبية 2/ 628
(6) رواه ابن أبي شيبة (36824) ، المتقي الهندي: كنز العمال (30102) ، ورواه الفزاري في السير (10) ، ولم أقف على صحة الحديث.
(7) رواه البيهقي في دلائل النبوة (1320) ، ولم أقف على سنده.