فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 265

النبي - صلى الله عليه وسلم - بكوا. فقال:"ألا تسمعون، إن الله لا يعذِّب بدمع العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا"، وأشار إلى لسانه [1] .

ثالثًا: في وفاة طفله إبراهيم:

لما رُزق رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بطفل من زوجته السيدة مارية المصرية، قال لأصحابه - في ابتهاج وسرور:"وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ". قال أنس: ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ يُقَالُ لَهُ أَبُو سَيْفٍ فَانْطَلَقَ يَاتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ، قَدْ امْتَلَأَ الْبَيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - َقُلْتُ يَا أَبَا سَيْفٍ أَمْسِكْ [أي توقف] ! جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَأَمْسَكَ!

فَدَعَا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - بِالصَّبِيِّ فَضَمَّهُ إِلَيْهِ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ..

فَقَالَ أَنَسٌ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ وَهُوَ يَكِيدُ بِنَفْسِهِ [أي يحتضر] بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَدَمَعَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ:

"تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَاللَّهِ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ" [2] .

رابعًا: بكاءه عند قبر أمه:

ومن المواقف المؤثرة الصعبة على نفوس الصحابة، موقفهم عندما شاهدوا قائدهم في عام الحديبية (6 هـ) يبكي بحرقة عند قبر أمه آمنة بنت وهب.

فعن سفيان الثوري أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - انتهى يومًا من عام الحديبية إلى رسم قبر فجلس، وتفجر ينبوع الرحمة في قلبه فبكى وقال - بعينين دامعتين:"هذا قبر آمنة بنت وهب"وكان عمره إذ ذاك نحو السّتين [3] .

وعن عبد الله بن مسعود:

أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يومًا وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس إليه فناجاه [4] طويلًا، ثم ارتفع صوته ينتحب باكيًا، فبكينا لبكاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله؟ فقد أبكانا وأفزعنا، فأخذ بيد عمر، ثم أومأ [5] إلينا فأتيناه، فقال - في شفقة:"أفزعكم بكائي؟"فقلنا: نعم، يا رسول الله فقال ذلك مرتين أو ثلاثا، ثم قال:"إن القبر الذي"

(1) صحيح - رواه البخاري، في كتاب الجنائز، 45؛ ورواه مسلم، في كتاب الجنائز، 12

(2) صحيح - رواه مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، برقم 4279

(3) انظر: حسين محمد يوسف: سيد الدعاة -صلى الله عليه وسلم، القاهرة: 44

(4) المناجاة: الحديث بصوت منخفض سرا

(5) الإيماء: الإشارة بأعضاء الجسد كالرأس واليد والعين ونحوه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت