فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 265

المطلب الرابع: عفوه - صلى الله عليه وسلم - عن سفهائهم وجهلائهم:

وتجلت رحمة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بذوي الاحتياجات الخاصة، في عفوه عن جاهلهم، وحلمه على سفيههم، ففي معركة أحد [شوال 3 هـ- أبريل 624 م] ، لما توجه الرسول - صلى الله عليه وسلم - بجيشه صوب أحد، وعزم على المرور بمزرعة لرجل منافق ضرير، أخذ هذا الأخير يسب النبي - صلى الله عليه وسلم - وينال منه، وأخذ في يده حفنة من تراب وقال - في وقاحة - للنبي - صلى الله عليه وسلم: والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك لرميتك بها! حَتَّى هم أصحاب النبي بقتل هذا الأعمى المجرم، فأبي عليهم -نبي الرحمة- وقال:

"دعوه! فهذا الأعمى أعمى القلب، أعمى البصر" [1] .

ولم ينتهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ضعف هذا الضرير، فلم يأمر بقتله أو حتى بأذيته، رغم أن الجيش الإسلامي في طريقه لقتال، والوضع متأزم، والأعصاب متوترة، ومع ذلك لما وقف هذا الضرير المنافق في طريق الجيش، وقال ما قال، وفعل وما فعل، أبى رسول الله إلا العفو عنه، والصفح له، فليس من شيم المقاتلين المسلمين الاعتداء على أصحاب العاهات أو النيل من أصحاب الإعاقات، بل كانت سنته معهم؛ الرفق بهم، والاتعاظ بحالهم، وسؤال الله أن يشفيهم ويعافينا مما ابتلاهم.

المطلب الخامس: تكريمه وموساته - صلى الله عليه وسلم - لهم:

فعن عائشة أنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن الله عز وجل أوحى إلى أنه من سلك مسلكا في طلب العلم سهلت له طريق الجنة ومن سلبت كريمتيه أثبته عليهما الجنة ..." [2] .

وعن العرباض بن سارية، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، عن رب العزة - قال:"إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين، لم أرض له ثوابًا دون الجنة، إذا حمدني عليهما" [3]

ويقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لكل أصحاب الإصابات والإعاقات:"مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ" [4]

ففي مثل هذه النصوص النبوية والأحاديث القدسية، مواساة وبشارة لكل صاحب إعائقة؛ أن إذا صبر على مصيبته، راضيًا لله ببلوته، واحتسب على الله إعاقته، فلا جزاء له عند الله إلا الجنة.

وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول عن عمرو بن الجموح، تكريمًا وتشريفًا له:"سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح"وكان أعرج، وقد قال له النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم:"كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة"، وكان - رضي الله عنه - يولم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا تزوج [5] .

(1) ابن كثير: السيرة النبوية (ج 2 / ص 347)

(2) صحيح - رواه البيهقي في شعب الإيمان، وصححه الألباني في المشكاة (ج 1 / ص 55) ، برقم 255

(3) صحيح - رواه ابن حبان ح: 2993

(4) صحيح - رواه مسلم، كتاب البر والصلة والآداب، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها، ح: 4664

(5) أبو نعيم الأصبهاني، معرفة الصحابة 14/ 155

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت