المظلوم!
يقول"مولانا محمد علي":
"وفي معاملات النبي [- صلى الله عليه وسلم -] مع الآخرين لم يكن يضع نفسه على مستوى أرفع من غيره البتة. كان يضع نفسه على قدم المساواة مع سائر الناس. وذات يوم، وكان قد احتل في"المدينة"مقامًا أشبه بمقام الملك، وفد عليه يهودي يقتضيه دينًا ما، وخاطبه في جلافة وخشنونه قائلًا: إن بني هاشم لا يردون أيما مال اقترضوه من شخص آخر. فثارت ثائرة عمر بن الخطاب لوقاحة اليهودي، ولكن الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] عنفه ذاهبًا إلى أن الواجب كان يقتضي عمر أن ينصح كلًا من المدين والدائن: أن ينصح المدين - الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] - برد الدين مع الشكر، وأن ينصح الدائن بالمطالبة به بطريقة أليق. ثم دفع إلى اليهودي حقه وزيادة، فتأثر هذا الأخير تأثرًا عظيمًا بروح العدل والإنصاف عند الرسول [- صلى الله عليه وسلم -] ، ودخل في الإسلام." [1]
"وفي مناسبة أخرى وكان مع أصحابه في أجمة من الآجام، حان وقت إعداد الطعام، فمهد إلى كل امرئ في القيام بجانب من العمل، وانصرف هو نفسه إلى جمع الوقود. لقد كان برغم سلطانه الروحي والزمني يؤدي قسطه من العمل مثل رجل عادي. وكان يراعي، في معاملته خدمه، مبدأ المساواة نفسه، وقال أنس:"خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين فما قال لي أف قط، وما قال لشيء صنعته لم صنعته، ولا لشيء تركته لم تركته [2] ."."
ولقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مؤسسي حلف الفضول، الذي ما أُوسس إلا لنصرة المظلوم ونشر العدل بين الناس، فتحرك رسول الله في إيجابية شديدة في دعم وتأييد هذه الحلف، وقال عنه:
"شهدت حلف المطيبين مع عمومتي - و أنا غلام - فما أحب أن لي حمر النعم و أني أنكثه" [3] .
وقال:"لقد شهدت مع عمومتي في دار عبدالله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو أدعى به في الإسلام لأجبت" [4] .
المطلب الثالث: نماذج العدالة في سنته وسيرته - صلى الله عليه وسلم:
أولًا: تحذيره من استعباد الناس:
(1) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته، 260
(2) مولانا محمد علي: حياة محمد و رسالته، 261
(3) صحيح - رواه البخاري في"الأدب المفرد" (567) و ابن حبان (2062) .
(4) صحيح - السنن الكبرى للبيهقي (ج 6 / ص 367) ، وصححه الألباني في تحقيق كتاب فقه السيرة، ص 67.