فهرس الكتاب

الصفحة 228 من 265

بهذه الأحاسيس المرهفة، يزور النبي - صلى الله عليه وسلم - قبور إخوانه، حيث يدعو لهم، ويتذكر أيامهم، ويسترجع ذكرياته معهم، ويأمل أن يلقاهم في دار الخلد في ظلال الله .. عند الحوض الشريف يوم القيامة ..

ومن هنا احترم الإسلام شعيرة زيارة القبور حتى ولو كانت من غير مسلم، فالفتح الإسلامي - مثلًا - كما يقول كرامرز [1] "لم يمنع من زيارة القبر المقدس [2] أو يحول بين الأوربيين المسيحيين وبين إنجاز هذه الفريضة الدينية" [3] .

المطلب الثاني: مشاركته في دفن الأموات بنفسه - صلى الله عليه وسلم:

أولًا: جنازة عدو من أعدائه:

وتراه في ذوق رفيع وسمو، ورحمة، يشارك الناس في دفن الميت بنفسه، ويدخل في الحفرة فيستلم الميت على ركبته، ويهدي قميصه إلى الميت ليكفّن فيه، رحمة منه، وموساة لأهله، وإن كان الميت من ألد أعدائه ..

انظر كيف كانت أخلاقه مع عدو الدعوة الإسلامية في المدينة عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، لما مات، وأرادوا دفنه:

قال جَابِر بْنَ عَبْدِ اللَّهِ - رضي الله عنه:

"أَتَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ .. !" [4] .

ثانيًا: جنازة حبيب من أحبابه - صلى الله عليه وسلم:

قال عبدالله بن مسعود:

قُمت من جوف الليل، وأنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك (في رجب 9 هـ/ أكتوبر 630) ، فرأيت شعلة من نار في ناحية العسكر، فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، وإذا عبدالله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حفرته، وأبو بكر وعمر، يدليانه إليه وهو يقول:"أدنيا إلى أخاكما"فدلياه إليه، فلما هيأه لشقه، قال اللهم:"إنى قد أمسيت راضيًا عنه؛ فارض عنه".قال عبدالله بن مسعود: يا ليتني كنت صاحب الحفرة [5] . فقال أبو بكر: والله لوددت أني صاحب الحفرة [6] ..

(1) البروفيسور جي. م. ج كرامرز: ولد بهولندة، سنة 1891، وكان أستاذًا للتركية والفارسية في جامعة ليدن حتى سنة 1939، اشتغل من 1915 حتى 1921 مترجمًا للسفارة الهولندية في الأستانة. كان أحد المساهمين في كتابة كثير من الموضوعات في دائرة المعارف الإسلامية، وألف كتاب: (فن التاريخ عند الأتراك العثمانيين) (1944) .

(2) في فلسطين. رغم أن العقيدة الإسلامية لا تعترف بهذا القبر!

(3) انظر: سير توماس أرنولد (إشراف) : تراث الإسلام،129

(4) صحيح - رواه البخاري، برقم 1263

(5) ابن سيد الناس: عيون الأثر (ج 2 / ص 261)

(6) المعجم الأوسط للطبراني، برقم 11165، والقصة مموجودة في كتب السيرة، أحداث غزوة تبوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت