".. من الحقائق التاريخية أن النبي [- صلى الله عليه وسلم -] أعطى أهل (نجران) المسيحيين نصف مسجده ليقيموا فيه شعائرهم الدينية. وها نحن أولًا نرى المسلمين إذا بشروا بدينهم فإنهم لا يفعلون مثل ما يفعل المسيحيين في الدعوى إلى دينهم، ولا يتبعون تلك الطرق المستغربة التي لا تتحملها النفس والتي لايحبها الذوق السليم. وقد أنصف القس ميثون الحقيقة في كتابه (سياحة دينية في الشرق) حيث يقول: إنه لمن المحزن أن يتلقى المسيحيون عن المسلمين روح التسامح وفضائل حسن المعاملة وهما أقدس قواعد الرحمة والإحسان عند الشعوب والأمم" [1] .
يقول جيمس متشنر:
"القرآن صريح في تأييده لحرية العقيدة، والدليل قوي على أن الإسلام رحب بشعوب مختلفة الأديان، ما دام أهلها يحسنون المعاملة، وقد حرص محمد [- صلى الله عليه وسلم -] على تلقين المسلمين التعاون مع أهل الكتاب، أي اليهود والنصارى، ولاشك أن حروبًا نشبت بين المسلمين وغيرهم في بعض الأحيان، وكان سبب ذلك أن أهل هذه الديانات الأخرى أصروا على القتال، وقد قطع الرهبان بأن أهل الكتاب كانوا يُعاملون معاملة طيبة وكانوا أحرارًا في عبادتهم، ولعل مما يقطع بصحة ذلك، الكتاب الذي أرسله البطريرك النسطوري إيشوياب الثالث إلى البطريرك سمعان، زميله في المجمع، بعد الفتح الإسلامي وجاء فيه: (ها! إن العرب الذين منحهم الرب سلطة العالم وقيادة الأرض أصبحوا عندنا، ومع ذلك نراهم لا يعرضون للنصرانية بسوء، فهم يساعدوننا، ويشجعوننا على الاحتفاظ بمعتقداتنا، وإنهم ليجلون الرهبان والقديسين!) .." [2] .
وفي ذلك يقول روبرتسون:"إن المسلمين وحدهم هم الذين جمعوا بين الجهاد والتسامح نحو اتباع الاديان الاخرى الذين غلبوهم وتركوهم احرارًا في اقامة شعائرهم الدينية" [3] .
وكان لهذا التسامح أثره في أن يصبح الدين الإسلامي دينًا عالميًا، بدءًا من مراحله الأولى أيام الرسول في جزيرة العرب إلى أن عم أماكن شاسعة، يقول العلامة جولد تسهير:
"سار الإسلام لكي يصبح قوة عالمية على سياسة بارعة، ففي العصور الأولى لم يكن اعتناقه أمرًا محتومًا فإن المؤمنين بمذاهب التوحيد أو الذين يستمدون شرائعهم من كتب منزلة كاليهود والنصارى والزرادشتية كان في وسعهم متى دفعوا [الإشتراك السنوي للدولة - الجزية] أن يتمتعوا بحرية الشعائر وحماية الدولة الإسلامية، ولم يكن واجب الإسلام أن ينفذ إلى أعماق أرواحهم إنما كان"
(1) آتيين دينيه: أشعة خاصة بنور الإسلام، ص 18 - 19.
(2) انظر: محمد أمين حسن: خصائص الدعوة الإسلامية، ص 166
(3) انظر: شوقي أبو خليل: الإسلام في قفص الاتهام، 125